حاشية الترتيب على الجامع الصحيح محمد بن عمر بن محمد بن أحمد بن أبي القاسم بن أبي ستة أبو عبد الله، الشهير بـ «المحشي»

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٤٤

واستدل بهذا الحديث في الإيضاح على أنه لا بدل على المسافر لما مضى من صومه ولو أفطر في وقت من اليوم الذي هو صائم فيه، قال: لأن ذلك له في السفر وإنما عليه بدل يومه، وأحب أن يكون ذلك للمريض أيضا، والدليل على هذا القول حديث ابن عباس وأحب أن يكون ذلك قال: خرج رسول صلى الله عليه وسلم إلى مكة فذكر الحديث ثم قال: فظاهر هذا يدل على أنه أفطر بعد أن بيت الصيام وأما الناس فلا شك أنهم أفطروا بعد تبييتهم الصوم، والقول الأول أصح انتهى وتمسك له بقوله تعالى (ولا تبطلوا أعمالكم).

أقول وفيه تأمل وكيف يترك العمل بالحديث بعد صحته مع إمكان حمل الآية على غير الإفطار للصائم في السفر فإنه صلى الله عليه وسلم أدرى بالمراد من قوله تعالى (ولا تبطلوا أعمالكم) خصوصا مع ظاهر قوله تعالى (ومن كان مريضا أوعلى سفر فعدة من أيام أخر) وقال تعالى (وما آتاكم الرسول فخذوه الآية) والله أعلم، اللهم إلا أن يقال: إنه إنما فعل لسبب وهو التقوي للعدو وكما يشعر به الحديت الآتي والله أعلم.

(

أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال سمعت جملة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقول خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح في رمضان فأمر الناس أن يفطروا وقال تقوية لعدوكم فصام ولم يفطر، قال ولقد رأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصب الماء على رأسه من شدة الحر ومن العطش فقيل له يا رسول الله إن ناسا صاموا حين صمت.

قوله: (خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلخ) ومثله حديث الموطأ من طريق أبي بكر بن عبد الرحمن عن رجل من الصحابة قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعرج في الحر وهو يصب على رأسه الماء وهو صائم من العطش ومن الحر، ثم لما بلغ الكديد أفطر) كذا ذكره ابن حجر.

والحاصل أن الحدثين وقعا معا في غزوة الفتح على صريح كلام المصنف، وأن النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين خرجوا من المدينة صائمين فأمرهم بالإفطار لأجل التقوي للعدو فأفطر غالبهم وصام النبي صلى الله عليه وسلم وجماعة حتى بلغ الكديد فأفطروا جميعا والله أعلم.

(قال فلما بلغ الكديد دعا بقدح من ماء فشرب فأفطر الناس).

قوله: (دعا بقدح من ماء إلى آخره) زاد في البخاري (فرفعه إلى يده ليراه الناس فأفطر، إلى أن قال: فكان ابن عباس يقول قد صام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأفطر فمن شاء صام ومن شاء أفطر.

٤٤٣ / ١٬٩٦٦