الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٧٢إلى أن قال: والأظهر لي أن أحاديث شربه قائما تدل على الجواز، وأحاديث النهي تدل على الاستحباب والحث على ما هو أولى وأكمل، لأن في الشرب قائما إضرار ما ذكره لأجله وبفعله هو لأمنه منه، قال: وعلى هذا الثاني يحمل قوله (فمن شرب منه فليستق) على أن ذلك! يحرك خلطا يكون القيء دواؤه، ويؤيده قول النخعي إنما نهي عن ذلك لداء البطن انتهى.
وقال ابن القيم للشرب قائما آفات عديدة:
منها أنه لا يحصل به الري التام ولا يستقر في المعدة حتى يقسمه الكبد على الأعضاء وينزل بسرعة إلى المعدة فيخشى منه أن تبرد حرارتها ويسرع النفوذ إلى أسافل البدن بغير تدريج وكل هذا يضر الشارب قائما فإذا فعله نادرا لم يضره، وعن أحمد عن أبي هريرة أنه رآى رجلا يشرب قائما فقال فيه بمقال له: أيسرك أن يشرب معك الهر؟ قال: لا قال قد شرب معك من هو أشر منه الشيطان إلخ.
وكلام الشيخ إسماعيل رحمه الله صريح في موافقة كلام المواهب حيث قال في أدب الشراب: الرابع في أدب الشرب أن لا يشرب قائما ولا مضطجعا، يستحب ذلك لنهيه عليه السلام عن الشراب قائما، وقد قيل لو يعلم الشارب قائما ما عليه لا ستقى ما شرب، وقد روي أنه عليه السلام شرب من زمزم قائما انتهى، فكأنه رحمه الله يشير إلى الجواز وأن النهي محمول على كراهة التنزيه فلا منافاة بينهما، وحيث أمكن الجمع فلا يصار إلى النسخ والله أعلم.
ومما يكره من الشرب الشرب قبل الأكل أو بعده. قال في القواعد حكاية عن بعض الأطباء في صفة وصفها للحجاج من جملتها وكل ما أحببت من الطعام ولا تشرب عليه، وإذا شربت فلا تأكل عليه إلخ.
وقال في المواهب قال ابن القيم ولم يكن صلَّى الله عليه وسلَّم يشرب على طعامه لئلا يفسده ولا سيما إن كان الماء حارا أو باردا فإنه رديء جدا انتهى إلخ.
وكذلك الأكل قائما منهي عنه ولفظ الحديث في الجامع الصغير نهى عن الشرب قائما والأكل قائما، قال العلقمي وفي رواية لمسلم نهى عن الشرب قائما قال قتادة قلنا فالأكل قال أشر وأخبث إلخ.
قوله (خنث سقاه) قال في الصحاح الانخناث التثني والتكسر، والاسم الخنث، وقال ابن حجر الاختناث افتعال من الخنث بالخاء المعجمة والنون والمثلثة