الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٦٥الاستسلام فيتعلق بجميع أعضاء الإنسان من القلب والجوارح واللسان، فإن كان تصديقا بالقلب فهو تسليم له، ويصح أن يستسلم ظاهره وباطنه ممتنع، وهو فعل المنافقين، فإن لفظ الإسلام المطلق يتناول القلب واللسان جميعا فيكون الإسلام على هذا أعم، وإن أطلق الإسلام على الاستسلام بالجوارح وأطلق الإيمان على الإيمان بالقلب تباين اللفظ والمعنى والمحل جميعا.
وأما استعمال الشرع هاتين اللفظتين فقد استعملهما للترادف والتباين والتداخل، أما التداخل فقوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُومِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات:35/ 36] ولم يكن فيها بالاتفاق إلا بيت واحد وهو بيت لوط عليه السلام وبناته، وقال تعالى: ﴿إِن كُنتُمُ، ءَامَنتُم بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ﴾ [يونس:84]، وقال صلى الله عليه وسلم: "بني الإسلام على خمس"، وسئل مرة أخرى عن الإيمان فأجاب بهذه الخمس.
وأما الاختلاف، فقوله تعالى: ﴿قَالَتِ الاَعْرَابُ ءامَنَّا قُل لَّمْ تُومِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:14] بمعنى استسلمنا في الظاهر، فأراد بالإيمان هاهنا تصديق القلب فقط، وبالإسلام الاستسلام ظاهرا باللسان والجوارح، وفي حديث جبريل عليه السلام لما سأله عن الإيمان فقال صلى الله عليه وسلم: "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، وبالبعث بعد الموت، وبالحساب وبالقدر خيره وشره، فقال: فالإسلام؟ فذكر الخصال الخمس"، فعبر بالإسلام عن تسليم الظاهر بالقول والعمل، وفي حديث سعيد: أنه صلى الله عليه وسلم أعطى رجلا عطاء ولم يعط الآخر، فقال له سعيد: يا رسول الله تركت فلانا لم تعطه وهو مؤمن؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أو مسلم؟ فأعاد عليه فعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وروي أيضا: "أنه سئل، وقيل: أي الأعمال أفضل؟ فقال: الإسلام، فقيل: أي الإسلام أفضل؟ فقال: الإيمان"، وهذا دليل على التداخل، وهذا وفق الاستعمال في اللغة، فإن الاستسلام المطلق إذا حصل استسلمت الجوارح والقلب جميعا، فإذا للترادف والتداخل والتباين وجه صحيح في اللغة على ما قررناه، وإطلاق في الشرع كما حققناه، انتهى.