حاشية الترتيب على الجامع الصحيح محمد بن عمر بن محمد بن أحمد بن أبي القاسم بن أبي ستة أبو عبد الله، الشهير بـ «المحشي»

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٢٩٤

واختلفوا في هذا الحديث هل قوله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية أو في حجة الوداع؟ وجزم في فتح الباري بأنه قاله في الموضعين إلا أن السبب في الموضعين مختلف.

فالذي في الحديبية كان بسبب توقف من توقف من الصحابة عن الإحلال لما دخل عليهم من الحزن لكونهم منعوا من الوصول إلى البيت مع اقتدارهم في أنفسهم على ذلك فخالف النبي صلى الله عليه وسلم وصالح قريشا على أن يرجع من العام المقبل فلما أمرهم بالإحلال توقفوا، فأشارت أم سلمة أن يحل هو صلى الله عليه وسلم قبلهم ففعل فتبعوه فحلق بعض وقصر بعض، فكان من بادر إلى الحلق أسرع إلى امتثال الأمر ممن اقتصر على التقصير

وقد وقع التصريح بهذا السبب في حديث ابن عباس قال في آخره عند ابن ماجه وغيره أنهم قالوا: يارسول الله صلى الله عليه وسلم ما بال المحلقين ظاهرت لهم بالترحم؟ قال: لأنهم لم يشكوا. وأما السبب في تكرير الدعاء للمحلقين في حجة الوداع فقال ابن الأثير في النهاية فإنه أكثر من حج معه صلى الله عليه وسلم لم يسق الهدي، فلما أمرهم أن يفسخوا الحج إلى العمرة ثم يتحللوا منها ويحلقوا رؤوسهم شق عليهم، ولما لم يكن يشذ من الطاعة أحدكان التقصير في أنفسهم أخف من الحلق ففعله أكثرهم، فرجح صلى الله عليه وسلم فعل من حلق لكونه أبين في امتثال الأمر انتهى.

قال الحافظ بن حجر: وفيما قاله نظر وإن تابعه عليه غير واحد لأن المتمتع يستحب في حقه أن يقصر في العمرة ويحلق في الحج إذا كان ما بين النسكين متقاربا، وقد كان ذلك في حقهم كذلك. والأولى ما قاله الخطابي وغيره أن عادة العرب أنها كانت تحب توفير الشعر والتزيين به وكان الحلق فيهم قليلا، وربما كانوا يرونه من الشهرة ومن فعل الأعاجم فلذلك كرهوا الحلق واقتصروا على التقصير انتهى، قاله في المواهب.

واستدل بهذا الحديث أيضا على أن الحلق أفضل من التقصير.

تنبيه: اعلم أن الناس بالنظر إلى الحلق والتقصير على ثلاثة أصناف: صنف يتعين في حقه الحلق وهو الذي يتعذرعليه التقصير كالملبد لرأسه، وكذلك الذي ليس له شعر فإنه يجري على رأسه الموسى. وصنف يتعين في حقه التقصير وهن

٦٨٦ / ١٬٩٦٦