الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٢٤وقيل: معنى قوله: "لكل نبي دعوة" أي: أفضل دعواته ولهم دعوات أخرى.
وقيل: لكل نبي منهم دعوة عامة مستجابة في أمته إما بإهلاكهم وإما بنجاتهم، وأما الدعوات الخاصة فمنها ما يستجاب ومنها ما لا يستجاب.
وقيل: لكل نبي منهم دعوة تخصه لدنياه أو لنفسه، كقول نوح: ﴿رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الاَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: 26]، وقول زكرياء: ﴿فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا يَّرِثُنِي﴾ [مريم: 04، 05]، وقول سليمان: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لاَّ يَنبَغِي ِلأَحَدٍ مِّنم بَعْدِيَ﴾ [ص: 35]، حكاه ابن التين.
وقال بعض شراح المصابيح ما لفظه: اعلم أن جميع دعوات الأنبياء مستجابة، والمراد بهذا الحديث أن كل نبي دعا على أمته بالإهلاك إلا أنا فلم أدع فأُعطيت الشفاعة عوضا عن ذلك للصبر على أذاهم، إلى أن قال:
وتعقبه القرطبي بأنه صلى الله عليه وسلم دعا على أحياء من العرب، ودعا على ناس من قريش بأسمائهم، ودعا على رعل وذكوان، ودعا على مضر.
قال والأَولى أن يقال: إن الله جعل لكل نبي دعوة تستجاب في حق أمته فنالها كل منهم في الدنيا وأما نبينا فإنه لما دعا على بعض أمته نزل عليه ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الاَمْرِ شَيْءٌ اَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمُ،﴾ [آل عمران: 128]، فبقيت تلك الدعوة المجابة مدخرة في الآخرة، وغالب من دعا عليهم لم يُرِد إهلاكهم وإنما أراد ردعهم ليتوبوا.
وأمَّا جزمه أولا بأن جميع أدعيتهم مستجابة ففيه غفلة عن الحديث الصحيح: "سألت الله ثلاثا فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة" الحديث؛ قال ابن بطال: في هذا الحديث بيان فضيلة نبينا صلى الله عليه وسلم على سائر الأنبياء حيث آثر أمته على نفسه وأهل بيته بدعوته المجابة، ولم يجعلها أيضا دعاء عليهم بالهلاك كما وقع لغيره ممن تقدم.
وقال ابن الجوزي: هذا من حسن نظره صلى الله عليه وسلم لأنه جعل الدعوة فيما ينبغي، ومن كثرة كرمه لأنه آثر أمته على نفسه، إلى أن قال: