الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٢٦ومن السنة ما رواه جابر بن زيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا ينال شفاعتي سلطان ظلوم غشوم، ورجل لا يراقب الله في اليتيم"، وقال صلى الله عليه وسلم: "لا ينال شافعتي الغالي في الدين، والجافي عنه"، يعني: الزائد فيه والناقص منه؛ إلى أن قال:
فإن قال قائل إن المؤمنين قد وعدهم الله في كتابه الجنة فما حاجتهم إلى ا لشفاعة؟
قيل له: إن الشفاعة زيادة في الثواب، وتشريف في المنازل؛ وأيضا فإن ا لمؤمنين تكون عليهم الذنوب والتبعات من قبل الأرحام والقرابات ومن حقوق الجيران والأولاد والزوجات وما أشبه ذلك؛ ألا ترى إلى قول الله تعالى حكاية عن المؤمنين: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَآ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التحريم: 08]، فأخبر أنهم يسألونه إتمام نورهم وغفران ذنوبهم وهم يمشون على قناطر جهنم قبل دخول الجنة؟
ويدل على ذلك ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ما منكم من أحد يدخل الجنة إلا بعمل صالح، وبرحمة من الله، وشفاعتي"؛ وبالله التوفيق.
مسألة: قال: والشفاعة عندنا إنما هي في الحشر قبل دخول الكفار النار، وهي مخزونة لا يصل إليها نبي مرسل ولا ملك مقرَّب حتى يفتحها رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وهي المقام المحمود الذي وعده الله عز وجل، يحمده فيه الأولون والآخرون حيث نجاهم من ذلك المقام.
ويحمده الأولون بما فتح لهم من الشفاعة لأنها مخزونة حتى يفتحها رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى آخر ما طال فيه فليراجع.
وذُكر عن جابر أنه قال: والله ما شفاعة الملائكة والنبيين إلا للتائبين، وكان يقول: ما نالت دعوة مؤمن منافقا قط.
ثم قال رحمه الله في آخر كلامه في بقية حديث رواه: "يا فاطمة بنت محمد، ويا صفية عمة محمد اشتريا أنفسكما من الله فإني لا أغني عنكما من الله شيئا" والله أعلم.