حاشية الترتيب على الجامع الصحيح محمد بن عمر بن محمد بن أحمد بن أبي القاسم بن أبي ستة أبو عبد الله، الشهير بـ «المحشي»

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ٢٩

﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمُ،﴾ [آل عمران: 195]، بمعنى أجابهم؛ تقول العرب: استجبتك، أي: أجبتك، قال في قوله: ﴿وَيَسْتَجِيبُ الذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [الشورىك 26]، أي: يجيب الذين آمنوا، قاله ابن حجر.

قوله: «فيقول دعوت ربي فلم يستجب لي»، قال ابن حجر: "واللام منصوبة".

قال ابن بطال: المعنى أنه: يسأم فيترك الدعاء فيكون كالمانِّ بدعائه، وأنه أتى من الدعاء بما يستحق به الإجابة، فيصير كالمبخل للرب الذي لا تعجزه الإجابة ولا ينقصه العطاء؛ إلى أن قال: في رواية "لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم أو ما لم يستعجل، قيل: وما الاستعجال؟ قال: يقول قد دعوت فلم يُستجب لي، فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء"؛ ومعنى قوله: "يستحسر" ـ وهو مهملات ـ ينقطع.

وفي هذا الحديث أدب من آداب الدعاء وهو أنه يلازم الطلب ولا ييأس من الإجابة؛ لما في ذلك من الانقياد والاستسلام وإظهار الافتقار، حتى قال بعض السلف: "لأَنا أشد خشية أن أُحرم الدعاء من أن أُحرم الإجابة"؛ وكأنه أشار إلى حديث ابن عمر رفعه "من فتح له منكم باب الدعاء فتحت له أبواب الرحمة"، إلى أن قال: وقد تقدمت في كتاب الدعاء الأحاديث الدالة على أن دعوة المؤمن لا ترد، وأنها إما أن تعجل له الإجابة، وإما أن يدفع عنه من السوء مثلها، وإما أن يدخر له في الآخرة خير مما سأل.

إلى أن قال حاكيا عن ابن الجوزي: اعلم أن دعاء المؤمن لا يرد؛ غير أنه قد يكون الأَوْلى له تأخير الإجابة أو يعوَّض بما هو أولى له عاجلا أو آجلا؛ فينبغي للمؤمن أن لا يترك الطلب من ربه فإنه متعبد بالدعاء كما هو متعبد بالتسليم والتفويض.

ومن جملة آداب الدعاء تحري الأوقات الفاضلة كالسجود وعقب الأذان.

ومنها تقديم الوضوء والصلاة واستقبال القبلة ورفع اليدين وتقديم التوبة والاعتراف بالذنب والإخلاص، وافتتاحه بالحمد والثناء والصلاة على النبي صلى

٨٣٦ / ١٬٩٦٦