الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٩٠وفي حديث النبي صلَّى الله عليه وسلَّم: كان إذا مر بهدف مائل أسرع المشي، فقيل: يا رسول الله أتفر من قضاء الله؟ قال: "أفر من قضاء الله إلى قدره" إلى آخره. وفي هذا الحديث إشارة إلى أخذ الحذر، وهو التحرز وفيه لغتان: كسر الحاء وسكون الذال، وفتحهما. قال في الصحاح: "الحذر والحذر التحرز وقد حذرت الشيء أحذره حذرا، ورجل حذر وحذر أي متيقظ متحرز، والجمع حذرون إلى آخره".
والتطير التشاؤم. قال في الصحاح: وتطيرت من الشيء وبالشيء، والاسم منه طيرة مثال العنة وهو ما يتشاءم من الفأل الردي، وفي الحديث كان يحب الفأل ويكره الطيرة، إلى آخره. وقال في الضياء: والطيرة مصدر كقولك: طيرت أي تطيرت والطيرة لغة، قال الشاعر:
طيرة الناس لا ترد قضاء … ... فاعذر الدهر لا تعبه بلوم
أي يوم تخصه بسعود … ... والمنايا ينزلن في كل يوم
ليس يوم إلا وفيه سعود … ... ونحوس تجري لقوم وقوم
وقد كانت الفرس أكثر الناس طيرة، وكانت العرب إذا أرادت سفرا نفرت أول طائر تلقاه فإن طار يمنة سارت وتيمنت، وإن طار يسرة رجعت وتشاءمت، فنهى النبي صلَّى الله عليه وسلَّم عن ذلك وقال: "أقرّوا الطير في وكناتها"، وحكى عكرمة عن ابن عباس: أنه مر به طائر يصيح فقال له رجل جالس عنده: خير، فقال ابن عباس: لا خير ولا شر، إلى أن قال: والطيرة من وساوس النوكى وذرائع الحرمان فيجب اطّراحها وصرف النفس عنها، وليقل إن عارضته ما روي عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم أنه قال: "من تطير فليقل اللهم لا يأتي بالخيرات إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم".
روي عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم أنه قال: "كفارة الطيرة توكل على الله تعالى"، وقيل في الحِكم: الخيرة في ترك الطيرة، إلى آخره.
أقول: وقد ورد عنه صلَّى الله عليه وسلَّم أنه قال: "إذا تطيرتم فامضوا وعلى الله فتوكلوا"، وورد عنه صلَّى الله عليه وسلَّم أنه كان يحب الفأل ويكره الطيرة، وروي عنه أنه سمع كلمة فأعجبته فقال: "لبيك لبيك أخذنا فألك من فيك"، وورد من هذا شيء كثير، والله أعلم.