الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ١٠١مسألة أصولية، وهي أن الأمر بالأمر بالشيء هل هو أمر بذلك أو لا؛ فإنه صلى الله عليه وسلم قال لعمر: مره، فأمره أن يأمر.
قلت: هذه المسألة ذكرها ابن الحاجب فقال: الأمر بالأمر بالشيء ليس أمرا بذلك الشيء الخ، فذكر دليله.
إلى أن قال: قلت فالحاصل أن النفي إنما هو من حيث تجرد الأمر، وأما إذا وجدت قرينة تدل على أن الأمر الأول أمر للمأمور الأول أن يبلِّغ المأمور؛ والثاني فلا ينبغي أن ينزَّل كلام الفريقين على هذا التفصيل فيرتفع الخلاف.
ومنهم من فرق بين الأمرين فقال: إن كان الأمر الأول بحيث يسوغ له الحكم على المأمور الثاني فهو آمر له وإلا فلا، وهذا أقوى، وهو مستفاد من الدليل الذي استدل به ابن الحاجب على النفي؛ لأنه لا يكون متعديا إلا إذا أمر من لا حكم له عليه، لئلا يكون متصرفا في ملك غيره بغير إذنه.
والشارع حاكم على الآمر والمأمور فوجد فيه سلطان التكليف على الفريقين؛ ومنه قوله تعالى: ﴿وَامُرَ اَهْلَكَ بِالصَّلاَةِ﴾ [طه: 131]، فإن كل أحد يفهم منه أمر الله لأهل نبيه بالصلاة.
ومنه حديث الباب فإن عمر إنما استفتى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك ليتمثل ما يأمره به ويُلزم ابنه به؛ فمن مثل بهذا الحديث لهذه المسألة فهو غالط فإن القرينة واضحة في أن عمر في هذه الكائنة كان مأمورا بالتبليغ؛ إلى آخر ما أطال فيه.
فذكر روايات متعددة تدل على أن ابن عمركان مأمور الرسول صلى الله عليه وسلم وإن كان بواسطة أبيه رحمه الله.
ثم قال: والحاصل أن الخطاب إذا توجه لمكلف أن يأمر مكلَّفا آخر يفعل شيئا كان المكلف الأول مبلغا محضا والثاني مأمور من قبل الشارع.
وهذا كقوله لمالك بن الحويرث وأصحابه "ومروهم بصلاة كذا في حين كذا"، وقوله لرسول ابنته صلى الله عليه وسلم: "مرها فلتصبر ولتحتسب"، ونظائره كثيرة.