الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ١١٥قوله: «فخيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم» الخ، يعني: فاختارت نفسها كما في بعض الروايات؛ وفي بعضها زيادة: "وقالت لو أعطيت كذا وكذا ما كنت معه"؛ وفي بعض روايات البخاري عن ابن عباس: "أن زوج بريرة كان عبدا يقال له مغيث، كأني أنظر إليه يطوف خلفها ويبكي ودموعه تسيل على لحيته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعباس: يا عباس ألا تعجب من حب مغيث بريرة ومن بغض بريرة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لو راجعته؟ فقالت يا رسول الله: تأمرني؟ قال: لا إنما أنا أشفع؛ قالت لا حاجة لي فيه؛ انتهى.
والمراد بالمراجعة الرجوع إلى عصمته بالعقد والله أعلم.
واختلف في زوجها: هل كان حرا أو عبدا؟ ولكن الخيار ثابت لها على كل حال ما لم يمسها، وهذا الخيار ليس بطلاق بل هو فسخ، فلا يصح فيه المراجعة، فإن تزوجها بعد ذلك فقد كانت عنده على ثلاث تطليقات كما في الطفلة إذا بلغت فأنكرت النكاح واختارت المفارقة.
وفي الحديث دليل للجمهور على أن بيع الأمة لا يكون طلاقا؛ لأن بريرة عتقت فخيرت في زوجها؛ فلو كان طلاقها يقع بمجرد البيع لم يكن للتخيير معنى؛ ولأن النكاح عقد على منفعة فلا يبطله بيع الرقبة كما في العين المؤجرة.
وفيه أيضا أن عتقها لا يكون طلاقا ولا فسخا لثبوت التخيير والله أعلم.
قوله: «وقالت إن أهلي كاتبوني فأعينيني بشيء؛ فقلت: لها عدي لهم ما كاتبوك به فيكون ولاؤك لي» إلخ؛ ظاهر هذا الحديث يدل على أنه يجوز بيع المكاتب للعتق، وليس بظاهر على قواعد المذهب من أن المكاتب حر؛ نعم يناسب مذهب الغير من أن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم.
قال ابن حجر عند ذكر فوائد هذا الحديث: ومن ذلك من أدى أكثر نجومه لا يعتق تغليبا للأكثر، وأن من أدى من النجوم بقدر قيمته لا يعتق، وأن من أدى بعض نجومه لا يعتق منه بقدر ما أدى لأن النبي صلى الله عليه وسلم أذن في شراء بريرة من غير استفصال.