فقه الأولويات ودوره في الإصلاح عند الشيخ بيوض صالح بن قاسم بن إبراهيم الراعي

فقه الأولويات للراعي صالح

الجزء ١ · صفحة ١٠٦

وعلى غرار ذلك، كم لاقى الشّيخ من أعدائه السب والشتم، بل وحتى محاولة الاغتيال، وبالذات في مثل هاته القضايا التي تدعو إلى التفتح والتغيير في المنهج العقلي الميزابي، لكن الشّيخ من جهته كذالك، كم أفهم مجتمعه وخصمه بالأخص، بأن سياسة الأحوط في كل الأمور، والانزواء والبقاء على ما نحن عليه احتياطا، لا لشيء إلا خوفا على أخلاقنا علها تضمحل، أوشخصيتنا ربما تنحل، لا يمكن أن نعمل بهذه السياسة، ولا أن نرضى بهاته العقلية، لأن الأوّلى التفتح على العالم، ومعرفة ما يحيط بنا، وأن العالم يتطور، فلابد أن نُطوِّر مجتمعنا ونندمج مع العالم الخارجي، بعد أن تشبتنا بالأخلاق والثوابت الإسلامية الراسخة.

يقول الشّيخ: «إن لنا خصوما أقوياء من ذوي السلطان، وضعت الأقدار مقدَّراتنا بين أيّديهم، فعلينا أن نعلم أننا لا ننال منهم شيئا، إلا بالحكمة التبصر و الأناة … والمرونة السّياسية، وعلينا أن نعلم أن سياسة «زُمَّ حقائبك واخرج» سياسة خرقاء غير رشيدة … ، وأنّ سياسة الانزواء والانكماش، وأننا نريذ أن نبقى على مانحن عليه في كل شيء؛ سفَهٌ في العقل، وأفَنٌ(1) في الرأيّ»(2).

«فلو كنا حصفاء حكماء؛ لسلكنا مع المتحكمين من ذوي السلطان سياسة المراوغة واللف والدوران، وأعملنا موازين القسط من العقول الراجحة، فعرفنا خير الخيْريْن، وشر الشرين، ودفعنا الأثقل بالأخف، وقنعنا بالبعض إن

(1) _ أفن: الأفن هو النقص، ورجل أفين ومأفون، أي: ناقص العقل … ، والمأفون والمأفوك جميعا من الرجال الذي لا زور له ولا صيُّور، أي: لا رأي له يرجع إليه، والأفن (بالتحريك) ضعف في الرأي، ورجل مأفون: ضعيف العقل والرأي، وقيل هو المتمدح بما ليس عنده، والأوّل أصح، (انظر لسان العرب: مادة «أفن»).

(2) _ نهضة الجزائر الحديثة: ج 3/ 204.

١٠٥ / ١٤٦