فقه الأولويات للراعي صالح
الجزء ١ · صفحة ١٠٧تيقنا أنّ الكل ذاهب، فلا المقاومة المطلقة العنيدة، ولا الاستسلام المطلق المخزي بمفيدنا [كذا وأرى الأصوب: يفيدنا] في سياستنا مع المتسلط القوي، لكن التبصر وحسن التصرف، والمرونة السّياسية، وحسن استغلال الظروف والأشخاص والمناسبات؛ هي أحكم سياسة للضعيف الأعزل مع القوي المدجج»(1).
إن الحكمة والذكاء، ورجحان العقل، ووضع الأمور في نصابها، وترتيبها ترتيبا حسب المصالح وما إلى ذلك من الصفات، لا يتمتع بها إلا القائد المحنك، ذو التوكل التام على الله - عز وجل -، فهذه المواقف وغيرها، هي التي شدَّت عقول الناس إلى اتباع الشّيخ، حيث الفكر النيِّر، والنظرة البعيدة الصائبة، فجعل الكثير منهم ينقادون له، ويرتادون دروسه، ويتشربون مبادئه.
هكذا كان الشّيخ يُؤكد توكله على الله في كل خطبة وفي كل درس، ويُرسخ مبدأ مصلحة الجماعة قبل مصلحة الفرد؛ لينشئ في المجتمع تفكيرا جماعيا فيحسون بعد ذلك بالمسؤولية.
وهذا ما تركه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في نفوس أصحابه، فراحوا ينشرون الإسلام مشرقا ومغربا، لا يخافون في الله لومة لائم، ولا يعوزهم الخوف من طغيان الكفر وتكالبه عليهم، إيمانا منهم بمعية الله في كل زمان ومكان، وإحساسا منهم بالمسؤولية الجماعية العظمى اتجاه خالقهم ودينهم و أمتهم.
وأختم هذا المطلب بنص للشيخ يبين فيه تحديد المسؤوليات، و يرسخ في جميع الشرائح مصلحة الجماعة فيقول:
«يجب على الإنسان أن يعرف أنه مربوط بالمجتمع، ينفعه ما ينفع المجتمع، ويضره ما يضر المجتمع، لا يعيش بطريقة فردية، كالبقر وسط البقر، أو كالنعجة
(1) _ المصدر نفسه: 3/ 199 - 200 (الفقرتين مقتبستين من خطاب له في جمعية قدماء التلاميذ).