فقه الأولويات للراعي صالح
الجزء ١ · صفحة ١١٤وقد وضَّحت كيف كان الشّيخ خلفا لشيخه بذلك الخطاب التاريخي الهام، حين اشتغل بالتدريس إيقانا منه أن لا شيء ينشئ الرجال مثل التدريس، فأخذ بأولويّة التدريس قبل كل شيء، وأبرع فيها وبرز بروزا أَشْعَر العزابة آنذاك أن هذا الشاب لم يُعهد من قبل في الحصافة الذكاء، لأنه كان يُدرِّس البلاغة وأصول التشريع لكبار الطلبة، وزِيد له بعد ذلك درس التفسير، ودرس الفقه من كتاب النيل(1)، والنحو والأخلاق، وكل هذا إرادة منه مباشرة التلاميذ، بدل أن يكون في الإدارة؛ لأن الإدارة تُقعِده عن الإبداع(2).
ولما رجع بعض الطلبة من تونس بعلوم جديدة وبرامج متطورة إلى معهدهم، لاقَوا رفضا وتوبيخا، واستمر الحال على ذلك، حتى يئس بعضهم وعزموا على مفارقة الحياة العلمية، لكن الشّيخ صبَّرهم ووعدهم بإنشاء معهد خاص بهم؛ لأنه رأى عرقلة المشروع الإصلاحي، الذي من أولويّاته إنشاء الرجال(3).
وكان الشّيخ في هاته الفترة، قد عين أصغر عضو في حلقة العزابة؛ بسبب حنكته في التعليم، وبعد فترة وجيزة سُلمت له رأيّة الوعظ والإرشاد في المسجد.
(1) _ هو كتاب النيل وشفاء العليل (في الفقه)، للشيخ ضياء الدّين عبد العزيز بن الحاج بن إبراهيم الثميني، يشتمل على اثنين وعشرين كتابا في العبادات والمعاملات، الكتب التسعة الأولى منها: كتاب الطهارة والصلاة الأيمان والكفارات … ، كلها = = مختصرة من كتاب الإيضاح، للشيخ أبي ساكن عامر الشماخي إلا قليلا، وقد شرحه قطب الأئمة الشّيخ امحمد بن يوسف اطفيش في 17 مجلدا، وهو المعتمد في فقه المذهب الإباضي، (انظر: تاريخ بني مزاب: 82).
(2) _ نهضة الجزائر الحديثة: 2/ 28.
(3) _ المصدر نفسه: 2/ 29.