فقه الأولويات ودوره في الإصلاح عند الشيخ بيوض صالح بن قاسم بن إبراهيم الراعي

فقه الأولويات للراعي صالح

الجزء ١ · صفحة ١١٧

الحياة، وغير ذلك من الفروع ذات الطابع الثقافي والتكويني، حتى يجمع الشّيخ مسيرة التعليم في قيادة واحدة ويكمل صرح بناء الرجال.

وما نستنتجه من هذا التأسيس؛ هو مراده حصر مشاريعه التعليمية والثقافية في قيادة واحدة، وربما كان من حلقة العزابة من يستطيع الإشراف على ذلك أو لم يكن أصلا، لكنه أراد أن يجمع شمل الإصلاح التعليمي بنفسه، وبالتالي كل شيء يمر على يديه وتحت إشرافه؛ ليصل بعد ذلك إلى الهدف المنشود؛ وهو إيجاد رجال وزعماء مثله يكونون سندا له، ويحملون فكره أيّنما كانوا، وما هذا إلا تأكيد وأيّمان راسخ بأولويّة التخطيط والدراسة لأيّ مشروع أريد له النجاح والفلاح.

وأولويّة تغيير الأنفس قبل تغيير الأنظمة لها أساس من الشرع الحنيف، فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكث في مكة ثلاث عشرة سنة يرسخ العقيدة ويبني النفوس، حتى يتقبلوا فيما بعد أيّ تشريع ينزل مخالفا لما ألفوه في حياتهم الجاهلية، فكان الأمر كذلك، وحين هاجر إلى المدينة فكان يُشرِّع لهم أمورا سرعان ما تقبلوها دون تردد في الامتثال، فضلا عن المعارضة، بل أدل دليل على ذلك أن مدة التشريع في المدينة كانت أقل من مدة الإعداد والتكوين، وبصورة أوضح كان تغيير الأنظمة والمؤسسات في المدينة أقل من مرحلة تغيير الأنفس. من هنا استنتج العلماء أن أعظم مهنة يتخذها المؤمن المخلص لدينه هي إعداد الرجال لتحمل المسؤولية العالمية لنشر الإسلام.

ولما كانت سُنَّة النَّكال بالأنبياء والمصلحين باقية إلى يوم القيامة، كان الأمر نفسه مع الشّيخ، فقد اشتد عليه الأعداء في آخر الثلاثينات وبدأيّة الأربعينات من القرن العشرين، ولكن المُخلص هيهات أن يتوانى في عمله لله.

١١٦ / ١٤٦