فقه الأولويات للراعي صالح
الجزء ١ · صفحة ١٢٠هكذا عظمة الدعاة والمصلحين، لا يرون منكرا إلا ويقفون للنهي عنه، ولا يرون معروفا إلا ويسرعون للأمر به.
إن هذه الفقرات وغيرها بعد هذا اللقاء هي التي رسمت للشيخ طريق إحقاق الحق في القاعدة والقيادة، فأصبح بعد ذلك يُرى كزعيم يقود أمة.
وهنا تجدر الإشارة إلى مفهوم قد يغفل عنه الكثيرون حتى في صفوف الدعاة، وهو أن المصلح المربي، هو الذي يسعى لأيّجاد خلائف بتثبيت القواعد ولا يتحقق هذا إلا بالتعليم، ثم بعد ذلك يأتي الإصلاح في المجالات الأخرى، بناء على أولئك الذين رباهم فيكونون مؤيدين له في مشواره.
فقوله: «قبلت مشيخة المسجد وقيادة الإصلاح لأنني لم أجد من يستطيع أن يقوم مقامي في هذين الثغرين الخطيرين، وإلى الآن لم أجد من يرفع عني هذه الأعباء وأملي الوحيد أن أجد من غرسي شبابا في المستقبل يكونون أنبغ مني وأبرع يسدون هذه الثغور الكبرى»، لا يَقصد به أنه لو وجد من هو خير منه فإنه يترك مكانه وينعزل كما هو المتبادر، وهذا مطلب ظاهر، لكن المطلب الخفي وهو الجدير بالذكر، هو أنه لو وجد من هو كفؤا منه ويستطيع القيادة؛ لسلم إليه زمام الأمور في البلد وميزاب عامة؛ ليذهب هو إلى مكان آخر ينير فيه الدرب للناس، فلما لم يجد، لم يغادر القرارة في تلك الفترة الأوّلى (في الثلاثينات والأربعينات).
ولا أدل على ذلك حين دخل معترك الحياة السّياسية في نهأيّة الأربعينات وبدأيّة الخمسينات، لإصلاح السياسة الخارجية ومجابهة الاستعمار، بدءا من سعيه لأيّقاف مشروع فصل الصحراء عن الشمال الذي دعت إليه السلطات الفرنسية _كما سأبين في المطلب الموالي_(1).
(1) _ الشّيخ إبراهيم بن عمر بيوض مصلحا وزعيما: 54.