فقه الأولويات ودوره في الإصلاح عند الشيخ بيوض صالح بن قاسم بن إبراهيم الراعي

فقه الأولويات للراعي صالح

الجزء ١ · صفحة ١٣١

مكتبه يوم 11 ديسمبر عشية؛ ليحملهم على الإبراق، فاتَّفقت معهم على أن أسبقهم أنا إلى مدينة "ورقلة"، وعلى أن يطلبوا دخولي معهم بصفتي نائبا عماليا، وهم مغتبطون بذلك؛ لاعتمادهم على تأيّيدي لهم، فاجتمعنا كلنا عشية في "ورقلة" وكان العامل غائبا في تقرت فقيل لنا انتظروه فإنه يعود آخر النهار … ، وبينما نحن كذلك نتداول في الأمر، وندرس موقفنا مع العامل، إذا بالأنباء تصل من العاصمة عن نشوب ثورة في مدينة "بلكور"، وأن الإحصاء الأوّل للقتلى بلغ خمسين، فعَظُم الأمر علينا ثم سألنا عن رجوع العامل من تقرت فقيل لنا سيدخل متأخرا، وهنا ألهمني الله تبارك تعالى حيلة كانت مباركة ناجحة، فقلت للشيوخ: أما أنتم، فعودوا حالا إلى مدنكم واتركوني وحدي أقابل العامل باسمكم، وأقول له: أنه لما بلغنا أنباء ثورة "بلكور" الخطيرة، وعلمنا أن خبرها سينتشر قطعا في جميع الجهات، ولنا أبناؤها في (بلكور)، فإننا قررنا العودة إلى مراكزنا للمراقبة في هذه الليلة، فلا ينبغي في مثل هذه الحالة أن يغيب مسؤول عن مركز عمله، وإننا تركنا الشّيخ بيوض ليقابلكم نيابة عنا، وهو نائبنا، هكذا تمت الحيلة، وتخلصت من ضُعف بعضهم وألقيت كل شيء على كاهلي»(1).

هكذا بدا الشّيخ زعيما سياسيا، يأخذ بالحكمة والمنطق والترتيب الأوّلوي للمصالح الشرعية في مختلف المواقف والطوارئ التي لاقى منها الكثير، وأخذتْ منه الجهد والوقت النفيس من حياته، فلم يتفرغ للعلم تفرغا كالعلماء البارزين، لكنه كان عاملا ميدانيا حتى قال عن نفسه: «شغلني تأليف الرجال عن تأليف الكتب»، ومع ذلك حقق نتائج علمية وأخرى عملية كثيرة باهرة.

(1) _ المصدر نفسه: 36 - 37.

١٣٠ / ١٤٦