فقه الأولويات للراعي صالح
الجزء ١ · صفحة ٢٧هذا هو الأصل الذي غاب عن أذهان الكثيرين من أمتنا هذا العصر، أما أن نجمِّد الاجتهاد، ونقتصر على النقل في الدراسات والبحوث، دون تجديد أو تمحيص أو محاولة تغيير وإسقاط على أرض الواقع؛ فهذا من أبرز أسباب توقف النُّمُو والتطور في حياة الأمة الفكرية عموما والفقهية خصوصا.
ومن المنطقي أن نعطي أمثلة من الواقع لتوضيح صورة الأزمة الفكرية الحالية في الأمة.
ومن أبرز مظاهر تلك الأزمة، اختلال المتدينين بفقه الأولويّات، وما نشاهده واضحا في ذلك البلد أو غيره من تقديم أعمال كان الأوّلى أن يقدم غيرها.
منها: المعارك التي يحمى وطيسها بين المتعلمين على مسائل فرعية جزئية، وقد لا تكون لها تأثير على سلوك الفرد المسلم أصلا، وهذه مصلحة أدنى، كان الأوّلى منها الاهتمام بمعركة الإسلام الكبرى مع أعدائه وحاقديه(1)، وبشحذ الهمم لنصرة الإسلام، والدعوة إلى ما يوحد الأمة وعلماءها، لا إلى ما يفرقها، فلما كان الأمر كذلك؛ أصبحت الهوة الآن واسعة بين الكثرة الكاثرة من عامة الناس، وبين علماء الأمة، فغابت المرجعية التي ننشدها.
هذا بالإضافة إلى الإفراط في تقديم البحوث التنظيرية على المستوى العلمي، فهي دون تقديم حلول عملية، أو إسقاط تلك البحوث على أرض الواقع.
أما على مستوى العامة، فإن هناك من المسلمين من يتبرع ببناء المساجد التي تكلف من المال مبالغ ضخمة، فإذا طالبتَهم بإعطاء ذلك المبلغ أو نصفه لمساعدة المسلمين هنا أو هناك، أو إنشاء مراكز للدعاة وإعداد القادة للأمة ، أو
(1) _ في فقه الأولويّات دراسة جديدة في القرآن والسنة: 18.