فقه الأولويات للراعي صالح
الجزء ١ · صفحة ٧٣والملاحظة البارزة هنا، هي تأخير تدريس علمي التفسير والحديث إلى الطبقة الثّالثة، فضلا عن أن يكونا في الطبقات الأخرى بشكل مبسط، بحيث يسهل عليهم الفهم، بعدما فقِهوا كثيرا من علوم اللغة، لينتفعوا بها في التحليل والشرح.
بهذا جمع الشّيخ بين التربية الخلقية والعقلية في تدرج محكم، ينبئ بجديته في إصلاح الأهمّ فالمهمّ؛ لئلا تتعطل مسيرته، فنتج عن ذلك رجال تخرجوا على يديه تشربوا العقيدة الصحيحة وتقوى أسلوبهم اللغوي، فكانوا دعاة للإصلاح، يساندونه ويقفون بجانبه أيّنما حل وارتحل.
يقول الشّيخ: «إن مقصدي في هذه الدروس وغيرها … أن نربِّي عقولا تتذوق بلاغة القرآن، ونفوسا فيها طهر القرآن، وتلاميذ مصلحين يكونون جند القرآن»(1).
وفي النهأيّة أَرْجع الهدف إلى إنشاء رجال يمشون على الأرض بنور القرآن ووحي الله - عز وجل -، بعد أن كان منطلقه لغة القرآن، وتسخير غالب طاقاته ووسائله من أجلها.
وفي هذا المجال العلمي، تحسن الإشارة إلى ذكر بعض الفتاوى التي بدا أن الشّيخ أخذ فيها بالأولويّات، وإن أهم أولويّة يؤخذ بها في مجال الدعوة والفتوى، هي أولويّة التخفيف والتيسير على التشديد والتعسير، استنادا إلى القاعدة الفقهية التي تقول: «المشقة تجلب التيسير»(2)، وقد ذكر الدكتور يوسف القرضاوي هذه الأولويّة في هذا المجال، وإن كانت معروفة لدى المفتين، لكن ظني بأن تطبيقها قد خفي على بعضهم، وهنا نورد على سبيل الإشارة بعضا من تلك الفتاوى:
(1) _ نهضة الجزائر الحديثة: 2/ 30.
(2) - هذه القاعدة من أمهات القواعد الفقهية وهي: الأمور بمقاصدها، المشقة تجلب التيسير، الضرر يزال، العادة محكمة، اليقين لا يزول بالشك، (أنظر الكتب التي تتكلم عن القواعد الفقهية).