فقه الأولويات للراعي صالح
الجزء ١ · صفحة ٩٢هذه هي الغنيمة التي نجنيها من وراء ذلك، ففي هذا النص أولويّة يجب أن نحمل الشّيخ عليها وهي: أولويّة المقاصد على الظاهر؛ لأنه كان كثيرا ما يأخذ بالمصالح المرسلة في قراراته وفتاواه(1)، فالعبرة بالمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني.
والشّيخ كان يغلِّب مصلحة الجماعة، ويكثر النظر إلى النفع العميم وفق تعاليم الشرع الحنيف.
فلما كانت هناك بعض سلبيات لحضور الصغار المسجد، منها أن ثلة منهم يريدون مشاهدة آبائهم وهم يصلون في المسجد، فتراهم يطلون من النوافذ، وهم يُحدثون بعض الإزعاج، إلا أن الشّيخ بحكمته وتأكيده لتلك الأولويّة، وتقديم التربية الدّينية والأخلاقية على غيرها، أفهم الناس كيف يتعاملون مع أبنائهم في مثل هاته المواقف فقال:
«وقد رأيّت كثيرا من عامتنا ينزعجون من وقوف الأوّلاد في ساحة السوق بجوار المسجد(2) لمتابعة حركات المصلين، فينتهرونهم ويطردونهم أحيانا، بدعوى الغيرة على المسجد، وهم في ذلك مخطئون، إذ يُحرمون هؤلاء الأوّلاد من أهم عنصر في التربية وهو طريق القدوة الصالحة، حتى إن كثيرا من الأوّلياء يعجبون بأولادهم الصغار كيف يقلدون أمهاتهم في حركات الصلاة، ولما تنطلق ألسنتهم بالكلام الفصيح، وخير لنا ولأولادنا أن يكون تقليدهم لآبائهم في الأعمال الصالحة؛ حتى تنطبع في أذهانهم تلك الصور الدّينية المثلى منذ نعومة أظفارهم»(3).
(1) _ قد ذكر ت في صفحة 62 نموذجا من أخذ الشّيخ بالمصالح المرسلة، وهي فتوى الشاب الذي أراد التزوج من باريس.
(2) _ إن المسجد الكبير المركزي في المدينة بجانبه سوق، ونوافذ المسجد مطلة عليه، فجعل الصغار، بعد خروجم من المحضرة وقت العصر، وآباؤهم يتوجهون إلى المسجد، يريدون رؤيتهم، أو منهم من ينتظر نهاية الصلاة ليرجع مع أبيه إلى المنزل، فيستغل بعضهم وقت الانتظار ليطل من النوافذ مع إحداث بعض الفوضى، وهذا دأب الصغار.
(3) _ حديث الشّيخ الإمام: 26.