الجزء الثالث
الجزء ٤ · صفحة ٢١٧<3/246> وقول الربيع: «أقطع وأبلغ وأحق» صفات متلازمة متقاربة المعنى، فالأقطع لحجَّته: هو الذي يقوى على إخراج الكلام القاطع للخصومة، والأبلغ: هو الذي يبلِّغ بعبارة لسانه كُنه ما في قلبه، وقيل: هو الذي يوصل المعنى إِلىَ الغير بأحسن لفظٍ، والأحقُّ: هو الذي يكون في ظاهر الأمر أولى بالشيء من غيره، والمُراد: الأثبت في الدعوى في حكم الظاهر.
ما جاء في التشديد في أمر القضاء
قوله: «عن جابر بن زيد»: الحديث مرسل عند المصنِّف، وقد روى معناه أحمد وابن ماجه والبيهقيُّ في شُعب الإيمان عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من حاكم يحكم بين الناس إِلاَّ جاء يوم القيامة وملَكٌ آخذٌ بقفاه، ثمَّ يرفع رأسه إِلىَ السماء، فإن قال ألقه ألقاه في مهواة أربعين خريفًا». وروى الدارمي والبيهقيُّ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من أميرِ <3/247> عشرةٍ إِلاَّ يؤتى بِهِ يوم القيامة مغلولا حتَّى يفكَّ عنه العدل أو يوقعه الجور». ولأحمد معناه من حديث أبي أمامة.
قوله: «يأتي القاضي»: أي كلُّ قاض، عادلا كان أو جائراً، بدليل قوله آخر الحديث: «إِمَّا أن يفكَّ عنه عدله أو يهوي بِهِ جورُه إِلىَ النار».
قوله: «مغلول اليدين»: أي ممنوعتان من التَّصَرُّف، ويجعل الغُلُّ فيهما، وَهُوَ بضمِّ الغين: الحديدة التي تجمع يد الأسير إِلىَ عنقه، ويقال: إنَّها جامعة أيضًا، وهذا الحال عكس ما كان عليه في الدنيا، فإنَّ يديه كانتا مبسوطتين في إرادة نفسه وإنفاذ حكمه.
قوله: «إِمَّا أن يفكَّ عنه عدله»: أي إن كان عادلا خلَّصه عدله من الهلكة وفكَّ عنه الغلَّ.
قوله: «أو يهوي بِهِ جوره إِلىَ النار»: أي إن كان جائرًا سقط بِهِ جوره في النَّار، فكان ذلك آخر أمره، والمعنى: لم يزل مغلولا حتَّى يحلَّه العدل أو يهلكه الظلم، فيرى بعد الغلِّ ما الغلُّ في جنبه السلامة.