شرح الجامع الصحيح [نسخة جمعية التراث، كاملة] عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٢٧٩

فبكَتْ امرأته، وقال؟ ما يُبكيك؟ فقالت: أبكي أنّ لابدّ لي مِن تكفينِك، وليس عندي ثوب يَسَع لك كفَناً، فقال: لا تبكي؛ فإني سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ذات يوم وأنا عنده في نفر يقول: "لَيَموتُنّ رجل منْكم بفَلاة مِن الأرض تشهده عصابة من المؤمنين، فكلّ مَن كان معي في ذلك المجلس مات في جماعة وقرية، ولم يبقى غيري، وقَدْ أصبحْت بفَلاة أَمُوت فراقبي الطريق، فإنك سوْف تَرَيْن ما أقول لك، وإنّي والله ما كَذَبْت ولا كُذِّبْت"، قالت: وأنَّى ذلك، وقد انْقَطع الحِجاج، قال: "راقبي الطريق"، فبيْنما هي كذلك إذا هي بقوم تَخِبّ بهم رواحلهم كأنّهم الرُّخُم، فأقْبَل القوم حتى وقَفُوا عليها، فقالوا: مالَك؟ِ فقالت: امرؤٌ مِن المسلمين تُكفِّنونه وتُؤجَرون فيه، قالوا: ومَن هو؟ قالت: أبو ذرّ، قال: فَفَدَوْه بآبائهم وأمهاتهم، ثم وَضَعوا أسْياطَهم في نحورها، يتَبادَرُونه، فقال: أبشروا، فأنْتم النَّفَر الذين قال فيكم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ثم قال: أصبحْت اليوم حيْث ترَوْن، ولو أنّ لي ثوبا من ثيابي يسعني، لم أكَفَّن إلاّ فيه، فأُنشِدكم بالله لا يكفَّنُني رجل كان أميراً، أو عريفاً أو بريداً، فكلّ القوم كان نال من ذلك شيئاً، إلاّ فتىً مِن الأنصار كان معهم، قال: أنا صاحبه، الثوبان في عيْبَتي مِن غزْل، أَفِي واحِدِ ثوْبَيَّ هذين اللذين عليَّ، قال: أنْت صاحبي فكَفِّّنِّي، وتُوُفيِّ رضي الله عنه سنة اثنتين وثلاثين بالربذة، وصلّى عليه عبد الله بن مسعود، فإنّه كان مع أولائك النّفر الذين <1/233>شهِدوا موْتَه وحَمَلوا عياله إلى عثمان بن عفّان بالمدينة، فضَمَّ ابنته إلى عياله، وقال: يرحمه الله أباذر.

٢٧٩ / ١٬٤٧٩