الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٣٠٠قوله: «كان يأمر المؤذِّن»: أي يأمر من قام للأذان أو من تكفّل به تلك الليلة، فأل للجنس، <1/250> وعلى الاحتمال الأوّل فالأذان إنَّما يكون بحضرته صلّى الله عليه وسلّم، فيناسب ظاهر قول البخاريِّ: إنّ ذلك في السفر، والجمهور أنّه لا يختصُّ بالسفر، بل يكون في الحضر أيضاً، وهو المناسب للاحتمال الثاني. وهل التأذين لحضوره صلّى الله عليه وسلّم مع من شاء الحضور، أو للإعلام بدخول الوقت؟ والظاهر أنّ كلا المعنيين مراد، وأنّ قوله: «ألاَ صلّوا في الرحال» ترخيص لمن شاء أن يترخَّص، وليس ذلك بعزيمة، ويدلُّ عليه أنّ ابن العبَّاس قال لمؤذِّنه في يوم مطير: "إذا قلت: أشهد أنّ محمَّدا رسول الله، فلا تقل: حيَّ على الصلاة، قل: صلّوا في بيوتكم، قال: فكأنَّ الناس استنكروا ذلك، فقال أتعجبون من ذا، فقد فعل ذا من هو خير منّي، يعني النبي صلّى الله عليه وسلّم، إنَّ الجمعة عزمة، وإنِّي كرهت أن أخرجكم فتمشوا في الطين والدحض"، رواه أحمد والبخاري ومسلم. ولمسلم أنَّ ابن عبَّاس أمر مؤذِّنه في يوم جمعة في يوم مطير بنحوه، فهذا يدلّ على أنّ الإجابة فضل والتأخُّر رخصة، وأنَّ الحكم غير خاصٍّ بالسفر بل يكون في الحضر أيضاً، فإنّ الجمعة لا تقام إلاَّ في الحضر، فيحمل حديثَا عبد الله بن عمر وجابر بن عبد الله في الباب على موافقة الحال، فإنهما صرّحا أنّ ذلك كان في السفر.
قوله: «ليلة باردة»: ظاهره اختصاص الليل بذلك، قال ابن حجر: لكن في السنن من طريق ابن إسحاق عن نافع في هذا الحديث: "في الليلة المطيرة والغداة القرَّة". قال: وفيها بإسناد صحيح من حديث أبي المليح عن أبيه أنّهم مطروا يوماً، فرخَّص لهم، قال: ولم أر في شيء من الأحاديث الترخيص بعذر الريح بالنهار صريحاً، لكنَّ القياس يقتضي إلحاقه.