الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٤٣٦قوله: «فصلُّوا قعودا» وذلك من تمام الاتِّباع، ولأنَّ قيام الناس على القاعد من فِعل الأعاجم بعظمائها، وهي هيئة يبغضها الله تعالى، فلا يصح أن تُجعل في عماد الدين الذي هو الصلاة. وفي الحديث صحَّة إمامة القاعد، وأنَّ المأمومين يصلُّون وراءه قعودا اتِّباعا له. وفي المسألتين خلاف، قال جابر: وإنَّما يجوز مثل هذا خلف أئمَّة العدل، وأمَّا غيرهم فلا. وحكى ابن حبان عن جابر بن زيد: جواز ذلك على الإطلاق، وهو أقرب إلى معنى <1/355> الحديث، والربيع أعلم بأحوال جابر فإنَّه أدركه وأخذ عنه، وأخذ عن أصحابه الخاصِّين به: ضمام وأبي عبيدة وأبي نوح رحمهم الله. وروى ابن حزم القول بذلك عن جمهور السلف، ورواه عن بعض الصحابة وهم: جابر وأبو هريرة وأسيد بن حضير، قال: ولا مخالف لهم يُعرف في الصحابة. وقيل: إنَّ ذلك خاصٌّ بالنبيء صلى الله عليه وسلم دون غيره؛ فلا يصحُّ لأحد أن يؤمَّ جالسا بعده صلى الله عليه وسلم. قيل: وهو مشهور قول مالك وجماعة أصحابه. واستُدلَّ لذلك بأنَّه صلى الله عليه وسلم لا يصحُّ التقدُّم بين يديه في الصلاة ولا في غيرها، ولا لعذر ولا لغيره. ورُدَّ بصلاته صلى الله عليه وسلم خلف عبد الرحمن بن عوف وخلف أبي بكر، وأنَّ الأصل عدم التخصيص. وقيل: إنَّ ذلك منسوخ بصلاته صلى الله عليه وسلم في مرض موته بالناس قاعدا، وهم قائمون خلفه ولم يأمرهم بالقعود، وهو قول الشافعي والحميدي وغير واحد. وأنكر أحمد نسخ الأمر بذلك، وجمع بين الحديثين بتنزيلهما على حالتين إحداهما: إذا ابتدأ الإمام الراتب الصلاة قاعدا لمرض يُرجى بُرؤه فحينئذ يصلُّون خلفه قعودا.