الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٤٧٣قوله: «في المسجد» يعني مسجد النبيء صلى الله عليه وسلم، زاد في رواية أبي هريرة فقام إليه الناس ليقعوا به، فقال النبيء صلى الله عليه وسلم: "دعوه وأريقوه على بوله سَجْلا من ماء، أو ذنوبا من ماء؛ فإنَّما بُعِثتم ميسِّرين ولم تُبعثوا معسِّرين. والسَّجْل (بفتح المهملة وسكون الجيم) قيل: هو الدلو الواسعة. وقيل: الضخمة. وقيل: هي الدلو ملأى، ولا يقال لها ذلك وهي فارغة. والذَّنوب: وزان رسول الدلو العظيمة، قالوا: ولا تسمَّى ذنوبا حتَّى تكون مملوءة. وقال ابن السكيت: هي التي فيها ماء قريب من الملء. وقال الخليل: هي الدلو ملأى. وفي الحديث: من الفوائد أنَّ الاحتراز من النجاسة كان مقرَّرا في نفوس الصحابة، ولهذا بادروا إلى الإنكار بحضرته صلى الله عليه وسلم <1/385> قبل استئذانه؛ ولِمَا تقرَّر عندهم أيضا من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. واستدل به على التمسُّك بالعموم إلى أن يظهر الخصوص. وفيه المبادرة إلى إزالة المفاسد عند زوال الموانع، لأمرهم عند فراغه بصبِّ الماء عليه. وفيه أنَّ غسالة النجاسة الواقعة على الأرض طاهرة. وفيه الرفق بالجاهل، وتعليمه ما يلزمه من غير تعنيف، إذا لم يكن ذلك منه عناد، ولا سيما إن كان مِمَّن يحتاج إلى تأليفه. وفيه رأفة النبيء صلى الله عليه وسلم وحسن خلقه. وفيه تعظيم المسجد وتنزيهه عن الأقذار. وفيه أنَّ الأرض تطهُر بصبِّ الماء عليها، ولا يُشترط حفرها خلافا للحنفية، حيث قالوا: لا تطهر إلاَّ بحفرها، كذا قيل عنهم. وقيل: إنَّهم فصَّلوا بينما إذا كانت رخوة بحيث يتخلَّلها حتَّى يغمرها، وهذه لا تَحتاج عندهم إلى حفر، وعليها يحمل الحديث عندهم؛ وبينما إذا كانت صلبة فلا بد من حفرها وإلقاء التراب، لأنَّ الماء لا يغمرها أعلاها وأسفلها.