شرح الجامع الصحيح [نسخة جمعية التراث، كاملة] عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الجزء الأول

الجزء ٢ · صفحة ٢٣

قوله: «واجب على كل محتلم»: أي بالغ وإنما ذكر الاحتلام لكونه الغالب، واستدلّ به على دخول النّساء في ذلك، وقوله: واجب يحتمِل معنيين أحدهما: الوجوب الشرعي المُعاقَب تاركه، وبه قال أهل الظّاهر وحكاه ابن المنذر عن أبي هريرة وعمار بن ياسر، ونقَلَه ابن المنذر والخطابي عن مالك، وردّ بأنّ ذلك ليس بمعروف في مذهبه. والوجه الثاني: أنّه واجب في الاختيار، وكرم الأخلاق والنظافة، كَمَا يُقال إكرامك عليّ واجب؛ فيفيد تأكيد المسنونيّة دون الفرضية، وهو قول الأكثر، وعليه المذهب، وقد نقل الخطابي وغيره الإجماع على أنّ صلاة الجمعة بدون الغسل مجزية، لكنْ حَكَى الطبريّ عن قوم: أنهم قالوا: بوجوبه ولم يقولوا: أنّه شرط؛ بل هو واجب مستقلّ تصحّ الصلاة بدونه، وردّ بأنّه يلزم من ذلك تأثيم عثمان حين ترك الغسل يوم الجمعة، في خلافة عمر، والحال أنّه لم يَقُلْ بتأثيمه أَحدٌ من الصحابة، وكان يوما مشهودا. وسُئِل مالك عن غسل يوم الجمعة: أواجب هو؟ قال: هو سُنّة ومعروف، قيل، أنّه في الحديث واجب، قال: ليس كلّ ما جاء في الحديث يكون كذلك. قال ابن عبد البرّ ليس المراد أنّه فرض، بل هو مُؤوَّل، أي: واجب في السنّة أو في المروءة، أو في الأخلاق الجميلة، كقول: العرب وجب حقّك. والحجّة لنا على صرفه عن ظاهر قوله صلى الله عليه وسلم: "من توضّأ يوم الجمعة، فبها ونِعْمَت، ومن اغتسل فالغُسل أفضل"، ووجه الدّلالة منه قوله: "فالغسل أفضل"، فإنّه يقتضي اشتراك الوضوء والغسل في أصل الفضل، فيستلزم جواز الاقتصار على الوضوء. وكذلك حديث أبي هريرة مرفوعا: "من توضّأ فأحْسَنَ الوضوء ثم أتى الجمعة فاستمع وأَنْصَت غُفِر له"، أخرجه مسلم، فذكر الوضوء <1/423>وما معه مرتّبا عليه الثواب المُقتضي للصّحّة، يدلّ على أنّ الوضوء كافٍ.

٥٢٣ / ١٬٤٧٩