الجزء الثاني
الجزء ٣ · صفحة ٤٢ومشهورُ المذهب عندَنَا معشرَ المشارقة الصومُ برؤية العدل الواحد، ولا يُفطر إلاَّ برؤية عدلين، ووافقنا في الإفطارِ جميع من خالَفَنا في الصيام إلاَّ أبا ثورٍ، وذلك لأنَّ الأوَّل شاهدٌ على نفسِه بتعلُّق الصومِ عليه، والثاني شاهدٌ لها بجواز الإفطار، فكأنَّهم أدخلوا عليه الريبة من هاهنا. والدليلُ على الصوم بواحدٍ حديث ابن عبَّاس في السنن؛ قال: ”جاء أعرابيٌّ إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فقال: إنِّي رأيتُ الهلالَ فقال: أتشهَدُ أنَّ لا إله إلا الله؟ أتشهدُ أنَّ محمَّداً رسولُ الله؟ قال: نعم. قال: يا بلال أذِّن في الناس أنْ يصومُوا غدًا“. وروى أبو داود وابن حبَّان عن ابن عمر قال: ”تراءى الناسُ الهلالَ فأخبرتُ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم أنِّي رأيتُه فصامَ وأمر الناس بصيامِه.
قولُه: «فإن غُمِيَ عليكُم»؛ أكثرُ الروايات عند قومِنا فإنَّ غُمَّ بضمِّ الغين وتشديد الميم، وذكر ابن حجر في شرح البخاري رواياتٍ أُخَر بعضُها من طريق الكشمهيني ”أُغمِيَ“، ومن رواية السرخس ”غَبِيَ“ بفتح الغين وتخفيف الموحدة، وأُغمِيَ وغُمَّ وغُمَّى بتشديد الميم وتخفيفها فهو مغمومٌ، والكلٌّ بمعنى، والمراد خفاءُ الهلال بسَترِ الغيمِ إيَّاه، وأمَّا غبي فمأخوذٌ من الغباوة وهي عدمُ الفطنة، وهي استعارةٌ لخفاء الهلال. ونقل ابن العربي أنَّه رُوي ”عَمِيَ“ بالعين المهملة من العمى، وهو بمعناه، لأنَّه ذهاب البصرِ عن المشاهدات، أو ذهابُ البصيرة عن المعقولات.