الجزء الثاني
الجزء ٣ · صفحة ٤٣قولُه: «فَاقدُرُوا»؛ بهمزة وصلٍ وضمِّ الدال، والروايةُ عند قومنا ”فاقدروا له“، وليس عند المصنِّف ”له“، ولعلَّها سقطت من أيدي النُّساخ، أو أنَّه سمعه كذلك. والمعنى قدِّرُوا عدد الشهر فأكمِلُوا شعبان ثلاثين كمَّا صرَّحت به الرواية الأخرى، وهي قولُه: ”فأتِمُّوا ثلاثين“، والحديث يفسِّرُ بعضُه بعضًا، وبهذا التفسير قال جمهور <2/39> السلف والخلف، وخالف أحمد فقال: معناهُ ذرُوه تحت السحاب أي قدِّرُوه موجودًا هناك. وقال جماعة منهم بن سريج ومطرف بن عبد الله وابن قتيبة إنَّ معناهُ قدِّرُوه بحساب المنازل. قال ابن عبد البر: لا يصحُّ هذا عن مطرف، وأمَّا ابن قتيبة فليس هو مِمَّن يُعرَجُ عليه في مثل هذا. ونقل ابن العربي عن ابن سريج أنَّ قولَه: ”فاقدُرُوا له“ خطابٌ لمن خصَّه الله تعالى بهذا العلم، وقولَه: ”فأكمِلوا العِدَّة“ خطابٌ للعامَّة. فلزمه من ذلك اختلافُ وجوب رمضانَ فيجبُ على قومٍ بحسابِ الشمس والقمر، وعلى آخرين بحسابِ العَدَد، وهذا كلُّه خلافُ الظاهر، والحقُّ ما عليه الجمهورُ، والله أعلم.
قولُه: «وفي روايةٍ أخرى»؛ الظاهر أنَّ هذه الرواية من رواية أبي سعيدٍ الخدري أيضًا، وهي عند أبي داود من حديث ابن عبَّاس، وروى مالكٌ من حديث ابنِ عبَّاس يرفعُه: ”لا تصومُوا حتَّى تَرَوا الهلالَ، ولا تُفطِرُوا حتَّى تَرَوه، فإن غُمَّ عليكُم فأكمِلُوا العدَّة ثلاثين“. وهذا يتناولُ شعبان ورمضان، فكلُّ واحدٍ منها يُكمِل عدَّة ثلاثين يومًا إن لم يُرَ الهلال، وهذا مفسِّرٌ ومبيِّنٌ لقوله في الرواية قبله: ”فاقدُرُوا له“ وإنَّما أمر بإتمام ثلاثين لأنَّ غالب الشهور إنَّما تكون كذلك، ولأنَّ الأصل براءةُ النفس من تعلُّق الوجوب، فإذا تعلَّق بها موجبٌ شرعيٌّ كان الأصلُ بقاءَه حتَّى يُؤدَّى على وجهه ويَخرُجَ وقتَه بموجبٍ شرعيٍّ، والله أعلم.
ما جاء في النهي عن صوم يوم الشكِّ والعيدَين