شرح الجامع الصحيح [نسخة جمعية التراث، كاملة] عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الجزء الثاني

الجزء ٣ · صفحة ١١٩

قوله: «ومن تصبَّر»: وفي رواية الشيخين: ”يتصبَّر“ أي يطلب التوفيق على الصبر من الله تعالى أو يحمل نفسه على الصبر ويتكلف مشاقه وهو تعميمٌ بعد تخصيص، لأنَّ الصبر يشتمل على الصبر على الطّاعة وعن المعصية وعلى البلايا، والصبر عن السؤال وعن التطلع إلى ما في أيدي الناس بأنَّ يتجرَّع مرارة <2/99> ذلك، ولا يشكوا حاله لغير ربه.

وقوله: «يصبِّره الله»: بالتشديد، أي يسهل عليه الصبر.

قوله: «وما أعطي أحد عطاء هو خير له وأسمع من الصبر»: يعني أنَّ الصبر نعمة لا يفوقها شيء مِمَّا يعطي العبد، لأنَّ مقام الصبر أعلى المقامات، لأنَّه جامع لمكارم الصفات والحالات، ولذا قُدِّم على الصلاة في قوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ﴾ [البقرة:45]، ومعنى كونه أوسع أنَّه تتسع به المعارف والمشاهد والأعمال والمقاصد، فإن قيل: الرضا أفضل منه كما صرحوا به، أجيب: بأنَّ الرضاء غاية الصبر التي لا يعتد به إِلاَّ معها، فليس أجنبيا عنه كما يرشد إليه قوله تعالى:﴿اِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا﴾ [ص: 44]، إذ المراد به في حقه، ونحوه ما يكون معه رضًا وإلاَّ فهو مقام ناقصٌ جدًّا وفي هذا المعنى قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: 35]، ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور:48]، ﴿ وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ ﴾ [النحل:128]، والله أعلم.

٦٧٩ / ١٬٤٧٩