الجزء الثاني
الجزء ٣ · صفحة ٢٠٢قوله: «هذا جبلٌ يحبُّنا ونُحبِّه»: اختلف العلماء في معنى هذا الكلام على أقوال أحدها: أنَّه على حذف المضاف؛ والتقدير يحبُّنا أهله، والمراد بهم الأنصار لأنَّهم جيرانه، ثانيها: أنَّه قال ذلك للمسرَّة بلسان الحال عند قدومه من السفر لقربه من أهله ولقياهم، وذلك فعل من يحِبُّ لمن يحِبُّ، ثالثها: إن الحبَّ من الجانبين على حقيقته والكلام على ظاهره لكونِ أحُد من جبال الجنَّة لحديث أبي عباس بن جبر مرفوعا: ”جبل أحد يُحبِّنا ونحبُّه وهو من جبال الجنَّة“، أخرجه أحمد ولا مانع في جانب الجبال من إمكان الحبِّ كما جاز التسبيح منها، وقد خاطبه صلى الله عليه وسلَّم مخاطبة من يعقل فقال لما اضطرب: ”اسكُن أحُد“، ورابعها: أنَّه كان صلَّى الله عليه وسلَّم يحِبُّ الفال الحسن والاسم الحسن ولا اسم أحسَنَ من اسم مشتقٍّ من الأُحَدِية حركاتُ حروفه <2/161> الرفعُ، وذلك يُشعر بارتفاع دين الأحد وعلُوِّه فتعلَّق الحبُّ من النبيء صلى الله عليه وسلَّم به لفظا، ومعنى مختص من بين الجبال بذلك، والله أعلم. والمختار عندي إبقاء الكلام على ظاهر كما رجَّحه جماعة، وليس وضع الحبِّ فيه محالا، فقد سخَّر سبحانه تعالى الجبال أن يسبِّحن مع داود بالعشي والإشراق، ووضع الخشية في بعض الحجارة حتَّى هبط منها الماء، وقد حنَّ الجذع لفراقه صلَّى الله عليه وسلَّم حتَّى سمع الناس حنينه، وسلَّم عليه الحجر والشجر، فلا ينكر وضع حبِّ الأنبياء في الجمادات وذلك إشارة إلى مزيد حبِّه تعالى إيَّاه، حتَّى وضع حبه في الحجر مع فرط يبسه وقوَّة صلابته، وأمَّا حبُّه صلى الله عليه وسلَّم للجبل فلا بُعد فيه؛ إذ حبُّ البقاع معهودٌ عند الناس، والله أعلم.