الجزء الثاني
الجزء ٣ · صفحة ٢٠٦قولُه: «لا تحلُّ لُقْطَتُها»: هذا وما بعده تفصيلٌ للمحرَّم من مكَّة، والمعنى أنَّ لُقطَتَها لا تحلُّ لآخذها، إِلاَّ إذا أخذها ليعرِّفها لأهلها فيعطيهم إياها، واستثناء المعرِّف جاء عند الشيخين في حديث <2/163> ابن عبَّاس وهو عند المصنِّف أيضًا من بلاغ أبي عبيدة في آخر خطبته صلى الله عليه وسلَّم عام الفتح، ومن هنا قيل ليس في لقطة الحرام، إِلاَّ التعريف فلا يتملكها أحدٌ ولا يتصدق بها، وإنَّما اختصت بذلك عندهم لإمكان إيصالها إلى ربها، لأنَّها إن كانت لمكي فظاهر، وإن كانت لآفاقي فلا يخلو أفُقٌ غالبا من واردٍ إليها، فإذا عرفها في كلِّ عام سهل التوصل إلى معرفة صاحبها، وقال قوم: هي كغيرها من البلاد، وإنَّما تختصُّ مكَّة بالمبالغة في التعريف، واحتجُّوا لذلك بظاهر الاستثناء من النفي؛ وهو قوله في حديث ابن عبَّاس عند الشيخين: ”إِلاَّ من عرَّفها“، قالوا بقي الحلُّ واستثنى المنشد، فدلَّ على أنَّ الحلَّ ثابت لمنشد، لأنَّ الاستثناء من النفي إثبات، والظاهر الأوَّل لأنَّه المتبادر من معنى الحديث، وأيضا فلو أراد نفس المبالغة في التعريف لبيَّنه، ولم يسند التحريم لنفس اللُّقطة، وبإسناده إليها يظهر أنَّ أخذها حرام، وأنَّها لا تحلُّ إِلاَّ لصاحبها تعظيمًا لحرم الله تعالى، فمن شقَّ عليه تعريفها فليُعرض عنها ولا يتعرَّض لها بشيء. قال أبو إسحاق قال قيس بن سليمان: اللُّقطة في الحرام يُستحبُّ تركها إِلاَّ أن يُعرف مالكها، وذلك لحال أنَّ الملتقط لا يقدر أن يعمُّ الخلق في ذلك الموقف لتعريفها، ولعلَّه يعود إليها صاحبها من ساعته فلا يجدها، والله أعلم.