الجزء الثاني
الجزء ٣ · صفحة ٢٥٩قوله: «فإلى أربعة أشهر»: أي: فأجلهم إلى هذا الوقت يسيحون في الأرض كيف شاؤا آمنين، وهو معنى قوله عزَّ من قائل: ﴿فَسِيحُوا فِي الاَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ وابتداء هذه الأربعة يوم الحج الأكبر من تلك السنة وانقضاؤها تمام عشر من ربيع الآخر، وقال ابن عباس والزهري: الأشهر الأربعة شوال وذو القعدة وذو الحجَّة والمحرم، وأن الآية نزلت في شوال، وقيل: من الحادي عشر من ذي القعدة إلى عشرين من ربيع الأوَّل لأنَّ الحج في تلك السنة كان في ذلك الوقت للنسيء الذي كان فيهم ثمَّ صار في السنة بعدها في ذي الحجَّة واستمرّ فيها إلى يوم القيامة، والأربعة أجل لمن لم يكن له عهد، قيل: ومن كان له عهد دونها فإنَّه رفع إليها وكذلك من له عهد إلى أربعة فإن الكل داخل تحت هذا التأجيل وينقضي تأمينهم بانقضاء الأربعة، ومن كان له عهد فوقها فإلى تمام عهده فأتموا لهم عهدهم إلى مدتهم، قيل: وقد بقي لضمرة من عهدهم يوم الأذان تسعة أشهر وإنَّما أجلوا هذه المدَّة ليتفكّروا فيها ويختاروا فإنَّه ليس بعدها إِلاَّ الإسلام أو القتل وذلك إعلام لهم وخروج عن توهم الغدر، وبانسلاخها أبيح قتل المشركين حيث ما وجدوا وهي الأشهر الحرم المذكورة في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الاَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة:05] وإنَّما سمِّيت حرما لثبوت حرمة التأجيل فيها، وقيل: للتغليب لأنَّ ذا الحجَّة والمحرم من الأشهر الحرم، فأطلق الاسم على الأربعة تغليبا للبعض وبذلك نسخ تحريم القتال في الأشهر الحرم<2/203> التي هي ذو القعدة وذو الحجَّة والمحرم ورجب فإن القتال كان حراما في هذه الأشهر فنسخ بقوله: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الاَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ أي أربعة الأجل ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ الآية﴾ فقد أبيح لنا قتلهم بعد الأربعة مطلقا حيث وجدوا ومتى وجدوا إلا في أمانٍ أو صلحٍ أو جوارٍ والله أعلم.