الجزء الثاني
الجزء ٣ · صفحة ٣٢٦قوله: «كذلك قال لي جبريل»: هذا يدل أن قول جبريل عليه السلام ذلك إنما كان بعد أن أفتى صلى الله عليه سلم الرجل ومضى، فأتاه جبريل بهذا الاستثناء، وكأن الأمر كان عاما قبل ذلك ولهذا لم يستثن صلى الله عليه وسلم شيئا؛ ثم نزل الوحي بالاستثناء. وقال ابن عبد البر: فيه دليل على أن من الوحي ما يتلى وما لا يتلى وما هو قرآن وما ليس بقرآن، وقد قيل في قوله تعالى : ﴿ وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَىا فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ ـ ايَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب:34] إن القرآن الآيات، والحكمة السنة، وكلٌّ من الله فإنه لا ينطق عن الهوى، والله أعلم.
<2/304> ما جاء أن شهيد المعركة لا يغسل
قوله: «المقتول في المعركة لا يغسل»: المعركة موضع القتال، والمراد قتال الكفارة من مشرك وباغ على الإمام طالب لإخماد الكلمة وذهاب الدولة فقتيل الفريقين شهيد دنيا وأخرى، بخلاف قتيل اللصوص ونحوه ،فإنه شهيد في الآخرة، وأحكامه في الدنيا أحكام سائر الموتى وإن حمل الشهيد من المعركة وفيه رمق حياة ومات من بعد؛ فإنه يغسل لأنه مات في غير المعركة، وفي أثر أصحابنا النفوسيين: أن المجروح إذا مات في يومه ذلك لا يغسل ولا يتيمّم له. قال في الإيضاح: وأظن أنّهم ألحقوا النفساء بالمجروح؛ لأنها مذكورة من أصناف الشهداء في حديث النبيء عليه السلام. وروى مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر: أن عمر بن الخطاب غُسّل وكفّن وصلّي عليه، وكان شهيدا يرحمه الله. وإنما غُسّل رضي الله عنه لكون قتيل اللصوص عندنا، ولكونه مات في غير موضع القتل عند مالك، وبه استدل على أن شهيد المعركة لا يغسّل جمعا بين الدليلين، واستثنى في الإيضاح الجانب قال: إنه يغسل وإن كان شهيدا، واستدل على ذلك بتغسيل الملائكة حنظلة بن عامر الأنصاري رضي الله عنه وهو من شهداء أحد.