الجزء الثاني
الجزء ٣ · صفحة ٣٣٩قوله: «عصموا» أي: منعوا، وأصل العصمة من العصام، وهو الخيط الذي يشدُّ به فم القربة ليمنع سيلان الماء، وفيه دليل على قبول الأعمال الظاهرة، والحكم بما يقتضيه الظاهر، ويؤخذ منه ترك تشريك أهل البدع المقرّين بالتوحيد، الملتزمين للشرائع، وقبول توبة الكافر من كفره من غير تفصيل بين كفر ظاهر أو باطن، وفيه تحريم أموال من أقرّ بالتوحيد إِلاَّ عن طيِبة نفس، وإليه أشار المصنِّف بقوله: وفي رواية أخرى إلخ. فإن قيل: مقتضى الحديث قتال كلّ من امتنع من التوحيد، فكيف ترك قتال مؤدّي الجزية والمعاهد، فالجواب من أوجه: أحدها؛ دعوى النسخ، بأن يكون الإذن بأخذ الجزية، والمعاهدة مُتَأَخِّرًا عن هذه الأحاديث بدليل<2/315> أنَّه مُتَأَخِّر عن قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة:05]. ثانيها أن يكون من العام الذي خصّ منه البعض؛ فإنّ المقصود من الأمر حصول المطلوب، فإذا اختلف البعض بدليل،لم يقدح في العموم. ثالثها: أن يكون من العام الذي أريد به الخاص؛ فيكون المراد بالناس في قوله: "أقاتل الناس المشركين من غير أهل الكتاب"، ويدلُّ عليه رواية النسائي بلفظ: "أمرت أن أقاتل المشركين". رابعها: أن يكون المراد بما ذكر من الشهادة وغيرها؛ التعبير عن إعلاء كلمة الله بإذعان المخالفين، فيحمل في بعضٍ بالقتل، وفي بعضٍ بالجزية، وفي بعضٍ بالمعاهدة. خامسها: أنّ المراد بالقتال هو، أو ما يقوم مقامه من جزية أو غيرها. سادسها: أن يقال الغرض من ضرب الجزية؛ اضطرارهم إلى الإسلام؛ وسبب السبب سبب؛ فكأنَّه قال: حتَّى يسلموا أو يلتزموا ما يؤدّيهم إلى الإسلام، والله أعلم.