الجزء الثاني
الجزء ٣ · صفحة ٣٦١قوله:«قال ابن عبَّاس الكفن من رأس المال»: فهو مقدَّم على الوصايا وعلى أسهام الوارثين، فلا يرثون إِلاَّ ما فضل منه، ولا تنفّذ الوصايا إِلاَّ من الثلث الباقي بعده، فهو من رأس المال كالدّيْن لأنَّه حقّ للميّت، كما أنّ الديون حقوق لسائر الناس، وهل يقدّم على الدّين أم لا؟ خلافٌ تظهر فائدته فيمن مات ولم يترك إِلاَّ عشرة دراهم، وعليه دين مثلها ولم يوجد له كفن إِلاَّ بقدرها؛ فإنَّه قيل: يُشترى له بها كفن، وهو أحقّ من الدّين لأنَّه بمنزلة كسوته في الحياة. وقيل: يقضى بها الدّين ويدفن عاريا إن لم يوجد له كفن، لأنَّ الله لا يسئله عن دفنه كذلك، وإنَّما يسأله عن ديْنه. والقول بأنَّ الكفن من رأس المال نسبه ابن المنذر إلى جميع أهل العلم، قال: إِلاَّ رواية شاذّة عن خلاس بن عمرو قال: الكفن من الثلث، وعن طاوس قال: من الثلث إن كان قليلاً. وحكى غيره عن الزهري وطاوس: أنَّه من الثلث إن كان معسراً. واستدل ابن عبَّاس أنَّه من رأس المال بقوله صلى الله عليه وسلم: "كفّنوه في ثوبيه"، قال فأضافهما إليه أي؛ وأصل الإضافة أن تكون للملك. وأيضا: فإنَّه صلّى الله عليه وسلّم أمر بذلك ولم يستأذن الورثة ولا سأل عن دينه، فهذا من أمره يدلُّ أنّ الكفن مقدَّم على الوارث والدّين. واستدلّ غيره على ذلك بحديث خبّاب بن الأرثّ عند الجماعة إِلاَّ ابن ماجه، أنّ مصعب بن عمير قتل يوم<2/334> أحد ولم يترك إِلاَّ نمرة فكنّا إذا غطينا رجليه بدا رأسه، وأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نغطّي بها رأسه ونجعل على رجليه شيئًا من الأذخر، وهذا أظهر في الاستدلال؛ لقول الراوي فيه: ولم يترك إِلاَّ نمرة، فإنَّه صرَّح بأنَّ تلك النّمرة هي جميع التركة، ولم يستأذن في تكفينه بها الوارث فلو كان من الثلث لكان ثلث النمرة للوارث.