الجزء الثاني
الجزء ٣ · صفحة ٣٧٥قوله: عن ابن عبَّاس الحديث في هذا الباب مِمَّا تفرد به المصنِّف رضوان الله عليه، أمَّا في صلاة الجماعة فقد روى معناه هو وغيره من المحدثين، قوله: «أولى بالصلاة على الميِّت أفضل القوم ورعًا» أي أحقّ بالتقدم في صلاة الجنازة أورع الحاضرين، وإن لم يكن من أقارب الميِّت، فإن كان الإمام حاضرا أو واليه أو أمير الجيش فهم أولى من غيرهم لاجتماع الفضل والإمارة، وإن لم يكونوا فالقريب الأفضل أولى من غيرهم لاجتماع الفضل والقرابة، وإن لم يوجد الأفضل إِلاَّ في الأجانب كان أولى من القريب المفضول وهو معنى قول<2/344> من قال من أصحابنا وغيرهم: إن أفضل القوم أولى بالتقدم في ذلك، وهو الموافق لظاهر الحديث، وقال قوم منَّا ومن مخالفينا: إن الأقرب أحقّ بالتقدم وعليه أكثر الأصحاب، ثمَّ ذهبوا في ترتيب القرابة مراتبها وجعلوا الأولى في ذلك الأقرب ثمَّ الأقرب فإن تقدَّم الأبعد فلا يتقدَّم إِلاَّ عن إذن الأقرب، حتَّى أن بعضهم قال باستئذان القريبة من النساء إذا لم يكن له قريب من الرجال، وحتَّى قال آخرون باستئذان الأب الذمّي إذا حضر جنازة ولده المسلم وأنت خبير أنَّه لا حقّ للنساء ولا للذمّي في الإمامة فكيف يستأذن فيها من لا حق له فيها، فإن احتجوا بقوله تعالى: ﴿وَأُوْلُوا الاَرْحَامِ بَعْضُهُمُ، أَوْلَىا بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال:75] قلنا ذلك في غير ما قضى به الدليل أنَّ غيرهم أولى به، فالآية عامَّة وحديث الباب خاص، وأيضا فالآية محتملة والحديث نصّ في المعنى على أنَّ القائلين بتقديم القرابة لا يقولون بإطلاق ذلك في كلّ موضع فقد يكون القريب عبدا أو أخاً ذميًّا أو ابن عم ذميا فهؤلاء ونحوهم أقارب صرّحوا بأنَّ غيرهم من المسلمين أولى بذلك، فلم يأخذوا بعموم الآية في كلّ موضع بل ذهبوا إلى تخصيصها فأخرجوا منها أشياء فسقط تعلّقهم بعمومها لأنَّ القرابة لم تغن شيئًا والله أعلم.