شرح الجامع الصحيح [نسخة جمعية التراث، كاملة] عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الجزء الثالث

الجزء ٤ · صفحة ٢

النكاح لغة: الضمُّ والتداخل، وقال المُطَرزيُّ والأزهريُّ: هو الوطء حقيقةً، وهو مجاز في العقد، لأنَّ العقد فيه ضمٌّ، والنكاح هو الضمُّ حقيقةً، أو لأنَّه سببُه، فجازت الاستعارة لذلك؛ وقال بعضهم: أصله لزوم شيءٍ لشيء مستعليا عليه، ويكون في المحسوس والمعاني ؛ وقال الفرَّاء: العرب تقول: نُكْحُ المرأةِ (بضمِّ النون) بُضْعُها، وهو كناية عن الفرْج، فإذا قالوا نكحها، أرادوا أصاب نُكْحها أي فرجها؛ قال ابن جنِّيّ: سألت أبا عليٍّ الفارسي عن قولهم: نكحها؟ فقال: فرَّقت العرب فرْقا لطيفا يعرف به موضع العقد من الوطء، فإذا قالوا: نكح فلانٌ فلانةً أو بنتَ فلان أو أختَه أرادوا تزوَّجها وعقد عليها، وإذا قالوا: نكح امرأته أو زوجته لم يريدوا إِلاَّ المجامعة، إذ بذكر المرأة أو الزوجة يُستغنى عن العقد، وهذا يرجع إلى أنَّه مشترك، ويتعيَّن المقصود بالقرائن.

وفي حقيقته عند الفقهاء ثلاثة أوجه:

أحدها: أنَّه حقيقة في العقد مجاز في الوطء، واحتُجَّ له بكثرة وروده في الكتاب والسنَّة في العقد، حتَّى قيل:لم يرد في القرآن إِلاَّ للعقد، ولا يَرِدُ عليه مثل <3/2> قوله تعالى: ﴿ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: 230]، لأنَّ شرط الوطء في التحليل إِنَّمَا ثبت بالسنة، وإلاَّ فلا بدَّ من العقد، لأنَّ معنى «تنكح» تتزوَّج، أي يعقد عليها، ومفهومه أنَّ ذلك كاف بمجرَّده؛ لكن بيَّنت السنَّة أنَّه لابدَّ مع العقد من ذوق العُسيلة.

قال ابن فارس: لم يَرِد النكاح في القرآن إِلاَّ للتزويج، إِلاَّ في قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ [النساء: 6] فإنَّ المراد به الحُلُم.

والثاني: أنَّه حقيقة في الوطء مجاز في العقد.

والثالث: أنَّه حقيقة فيهما بالاشتراك، ويتعيَّن المقصود بالقرينة كما مَرَّ عن أبي عليٍّ الفارسيِّ.

٩٩٥ / ١٬٤٧٩