قاعدة الاحتياط وتطبيقاتها عند ابن بركة لباحامد إدريس - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٥٤كان ملما بالآراء الأخرى الواردة في المسألة، كما أنه كان قادرا على التدقيق فيها، وعلى ما استندت إليه تلك الآراء، هذا كله مما يجعله قادرا على اتخاذ ذلك الرأي وإبرازه دون أن يتردد في ذلك، ولعل هذا المثال الذي سيورده الباحث، يكفي دليلا على صحة ما ذهب وإلا فالكتاب زاخرٌ بهذه الأمثلة، يقول الشيخ ابن بركة في معرض حديثه عن اللقطة: "اختلف الناس في اللقطة لما جاءت من الأخبار المختلفة فيها، فروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (سأله أعرابيٌّ عن لُقَطَةٍ لَقَطَهَا فقال له - صلى الله عليه وسلم -: "عرّفها سنة فإن جاءك مدّعيها بوصف عقاصها(1) ووكائها فهي له وإلا فانتفع بها"(2)، وروي أن زيد بن ثابت التقط(3) صُرَّة فيها مائة دينار فجاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال له: "عرّفها سنة فمن جاءك بالعلامة، قيل إنه قال: إمارتها وعاؤها ووكاؤها فادفعها إليه"، ثم جاء بعد انقضاء السنة فقال: يارسول الله عرَّفتها سنة، فقال: "عرِّفها سنة أخرى"، ثم جاءه بعد انقضاء السنة الثانية فأخبره أنه قد عرَّفها. فقال:"هو مال الله يؤتيه من يشاء". وقال بعض مخالفينا إنه قال: "هي لك وهي مال الله يؤتيه من يشاء"؛ ولم تَصِح معنا هذه الزيادة، فيحتمل أن يكون الأعرابي
(1) - هكذا وجد الباحث في النسخة التي نقل منها، والذي يحفظه الباحث والمروي في مسند الربيع بن حبيب:
(عفاصها).
(2) - الربيع بن حبيب ابن عمر الأزدي البصري (ت: 175هـ)، الجامع الصحيح، ترتيب الشيخ: أبي يعقوب يوسف بن إبراهيم بن مياد الوارجلاني (ت: 570هـ)، ط1، 1424هـ، 2003م، مكتبة الضامري، باب اللقطة، ح ر: 116، ص 247.واللفظ في الربيع ورد: ومن طريق ابن عباس أنه - صلى الله عليه وسلم - سأله أعرابي عن لقطة التقطها، فقال: "عرفها سنةً، فإن جاء مدَّعيها بوصف عفاصها ووكائها فهي له، وإلا فانتفع بها"، قال الربيع: العفاص: الوعاء، والوكاء الخيط الذي تُشَدُّ بِهِ.
(3) -ابن بركة، الجامع، ج1/ ص 213 وما بعدها.