فتح المغيث في علوم الحديث امحمد بن سليمان بن بكير مطهري المليكي

فتح المغيث لمحمد المطهري - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٦٠

وخلْجَة كانت منه i حَتَّى ليدرك مَن تَتبَّع كُتبَ السُّنَّة أَنَّهُم ما تركوا شيئا صدَر عنه i إِلاَّ رووه ونقلوه. ولمعرفة هذا الحِرص ومَبلَغِه أذكر حديث سيِّدنا عمر بن الخطَّاب رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ قال: «كنت أنا وجارٌ لي من الأنصار في بني أميَّة بن زيد، وهي من عوالي المدينة، وَكُنَّا نتناوب النزول على رسول الله i، ينزل يوما وأنزل يومًا، فإذا نزلتُ جئته بخبر ذلك اليوم من الوحي وغيره، وإذا نزل فعل مثل ذلك»(1).

وكما توفَّر الصحابة رضوان الله عليهم على سماع الحديث وحمْلِه اِحتسبوا في إذاعته ونشره، فتوزَّع الصحابة الكرام في الآفاق هادين مبلِّغين ومعلِّمين ومرشدين. وهذا الحِرص من الصحابة رضوان الله عليهم سرى لمن بعدهم من التابعين، فمَن بعدَهم.

وإنَّ في رحلات التابعين الكثيرة لملاقاة الصحابة وتلقِّي الحديث عنهم، وما تجشَّموا في هذه الرحلات من عناء ومشقَّة ما يعطينا صورة واضحة عن ذلك الحِرص والشأو الذي بلغه. فهذا إمام التابعين سعيد بن المسيّب يقول: إن كنت لأسير ثلاثًا في الحديث الواحد(2). وهذا الشعبيُّ يقول: لو أَنَّ رجلاً سافر من أقصى الشام إلى أقصى اليمَن فحفظ كلمة تنفعه فيما يستقبله من عُمُره رأيت أَنَّ سفره لا يضيع».

(1) - … رواه البخاري في كِتَاب العلم (27) باب التناوب في العلم، رقم 89، من حديث ابن عَبَّاس.

(2) - … البغدادي: الرحلة في طلب الحديث، ص 128، تحقيق: د/ نور الدين عتر.

١٨٠ / ٤٦٧