في رحاب السنة (الجزء 1): شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب
الجزء ١ · صفحة ١٠٢مُتَوَضِّئِينَ» أي: لا يقصد بعدم الطهارة نجاسة الخبث فحسب، بل يقصد الوضوء الأصغر أيضا، إذن من لم يكن متوضِّئا فلا يمسَّنَّ المصحف أبدا.
فإذا عملنا بظاهر النصِّ قلنا بعدم مسِّ المصحف لغير المتوضِّئ، ولكنَّ النصَّ يحتمل التأويل، كما قال بعض العلماء، ومنهم الشيخ السالمي(1) ـ رحمه الله ـ حيث قال: إنَّ الذين لم يكونوا على وضوء ينصرفون إلى كراهة التنزيه لا إلى كراهة التحريم، أي احتراما لكتاب الله فحسب، وَعَلَيْهِ فمن مسَّ المصحف ولم يكن على وضوء لا يأثم بذلك، والدليل على هذا الحديث الذي رواه عليٌّ بن أبي طالب - رضي الله عنه - أنَّ الرسول J كان يقرأ القرآن على أيَّة حال إلاَّ الجنابة(2)، بمعنى أنَّه J كان لا يمنعه من قراءة القرآن شيء إلاَّ الجنابة، وعليُّ بن أبي طالب كان قد عاشر الرسول J معاشرة جَيِّدَة، حينما كان يساكنه، ثُمَّ يجاوره بالمدينة، فقد أخذ منه الكثير، وقال: إنَّه J كان يقرأ القرآن على أيَّة حالة، إلاَّ أن يكون مجنبا فحسب، فَإِنَّهُ لا يقرأه.
والرسول J إذا نهى عن شيء ثُمَّ فعله فلا يصير مُحَرَّمًا؛ لأنَّه لا يخالف قوله بفعله، ﴿وَمَآ أُرِيدُ أَنُ اخَالِفَكُمُ، إِلَى مَآ أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ (هود: 88)، ففعل الرسول J لشيء نهانا عنه تبيين بأنَّه قد انصرف من التحريم إلى التنزيه، ومنه فإنَّ قراءة
القرآن ومسَّ المصحف ينصرف إلى التحريم للجنب والحائض والنفساء، وإلى التنزيه لمن لم يكن على وضوء.
ولكن لا بأس أن نقول: من نوى أن يجلس ليقرأ ما كتب الله من
(1) - انظر: السالمي: شرح الجامع الصحيح، 1/ 28.
(2) - رواه بن ماجه في سننه وأحمد عن عليِّ بن أبي طالب - رضي الله عنه -، بلفظ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ J يَأْتِي الْخَلاَءَ فَيَقْضِي الْحَاجَةَ ثُمَّ يَخْرُجُ فَيَأْكُلُ مَعَنَا الْخُبْزَ وَاللَّحْمَ وَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَلاَ يَحْجُبُهُ ـ وَرُبَّمَا قَالَ: لاَ يَحْجُزُهُ ـ عَنِ الْقُرْآنِ شَيْءٌ إِلاَ الْجَنَابَةُ». كتاب الطهارة وسننها، باب ما جاء في قراءة القرآن على غير طهارة، رقم 594، 1/ 195. أحمد، مسند العشرة المبشَّرين بالجنَّة/ ومن مسند عليِّ بن أبي طالب، رقم 1061، 1/ 124.