في رحاب السنة (الجزء 1): شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب
الجزء ١ · صفحة ١٠٤تقرأه تعبُّدا، وإنَّما محافظةً عليه من الانفلات، فهذه رخصة لها، إذ لا تكون بقراءتها ـ وهي في حيض ـ عاصية.
وأمَّا مسُّ المصحف فقد حرَّموه على الحائض، إلاَّ أن تحمله في محفظة، ولكنَّ بعض العلماء منعها من ذلك لإنزالها منزلة الجنب(1).
أمَّا عن تفسير قوله تعالى: ﴿لاَ يَمَسُّهُ، إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾ (الواقعة: 79) أينطبق على هذه الأحكام أم ينتقل إلى أحكام أخرى؟ فإنَّ للمفسرين أقوالاً عديدة، فبعضهم قال: إنَّه حكم من الله بأن لا يمسَّ المصحف إلاَّ من كان على طهارة، ومنهم من قال: بِأَنَّهُ إخبار من الله بِأَنَّ هذا المصحف في كتاب مكنون، إمَّا في اللوح المحفوظ أوفي بيت العِزَّة، ولا يمسُّ ذلك المصحف ولا يناله إلاَّ الملائكة المطهَّرون، وألاَّ يمسَّه شيطان ولا كائن نجس في السماوات أبدا، فلا في السماء الأولى حيث بيت العِزَّة، ولا في السماء السابعة حيث اللوح المحفوظ الذي فيه القرآن محفوظا، إذ نزلت نسخة منه إلى بيت العِزَّة(2).
فمهما تختلف الأقوال فما علينا إلاَّ أن نحافظ على طهارتنا ووضوئنا حين ننوي قراءة القرآن، وعلينا أن نتذكَّر جيِّدا أنَّه من كان على جنابة فلا يحلُّ له أن يقرأ القرآن إلاَّ بعد أن يغتسل ويتطهَّر.
وهناك بعض من الناس يفتي لنفسه، بأن يتيمَّم للجنابة، فيقرأ القرآن ريثما يغتسل منها، فهذا حكم باطل، ولا يجوز القيام به أبدا، مثل أن يجنب ليلا فيتيمَّم لقراءة القرآن ريثما يغتسل في الفجر، فلا يحلُّ له هذا إن كان قادرا على الاغتسال
(1) - انظر: الكندي: بيان الشرع، 9/ 165 - 166. اطفيَّش: شرح النيل، 1/ 315، 317.
(2) - انظر: الطبري: جامع البيان، 27/ 205. القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، 2/ 407.