في رحاب السنة (الجزء 1): شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب
الجزء ١ · صفحة ١٠٧بفعله هذا كما قال العلماء(1) إن انتفت العِلَّة، وهي الخوف من أعداء الإسلام ـ من شيوعيِّين أو يهود ـ من أن ينالوا من ذلك المصحف، فإن ذهبت به إلى بلاد الكفر، وأنت تعلم أنَّه ربَّما يصيبه الضرر، فهذا حرام وأنت عاص بفعلك هذا، وأمَّا إن ذهبت به إلى بلد يحترمون حريات الشعوب ـ وإن كانت بلاد كفر ـ وأنت موقن بأن لا ينال المصحف مكروه، فلا بأس في ذلك.
ففي وقتنا الحاضر توجد مساجد ومراكز إِسْلاَمِيَّة وسط بلاد الشرك، فمثلا هناك مطابع في ألمانيا وفي غيرها، تقوم بطبع القرآن الكريم، فإن أمنت على مصحفك ألاَّ يناله الضرر فلا بأس في أخذه إلى هذه البلاد، بل وتجد أحيانا في هذه البلاد من يقرأ القرآن ويعبد الله بإخلاص.
وقد أخذ هذا أيضا من فعل الرسول J ، حين كاتب ملوك الكفر، مثل: هرقل ملك الروم، وكسرى ملك الفرس، والمقوقس ملك مصر، والمنذر بن ساوى ملك البحرين، والنجاشي ملك الحبشة، فمكاتباته هذه ضمَّنها آيات من القرآن الكريم، من البسملة وآيات من الدعوة إلى الإسلام، وفعل الرسول J دالٌّ على الجواز، والحكم عَلَى البعض حكم على الكلِّ، فكما يحرم أخذ المصحف فكذلك تحرم الآية والآيتان، خَاصَّةً وأنَّ قوله تعالى: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ آية عظيمة من آيات القرآن الكريم.
(1) - ينظر: ابن حجر: فتح الباري، 6/ 133. وروى ابن حبَّان في صحيحه، عن ابن عمر قال: «نهى رسول الله J أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدوِّ مخافة أن يناله العدوُّ» قال أبو حاتم في قوله: «مخافة أن يناله العدوُّ»: بيان واضح بِأَنَّ العدوَّ إذا كان فيهم ضعف وقلَّة، والمسلمون فيهم قوَّة وكثرة ثمَّ سافر أحدهم بالقرآن وهو في وسط الجيش يأمن أن لا يقع ذلك في أيدي العدوِّ كان استعمال ذلك الفعل مباحا له. رقم 4716، 11/ 16.