في رحاب السنة (الجزء 1): شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب
الجزء ١ · صفحة ١١٣كالأعرابيِّ، لأنَّه في الحقيقة ليس كذلك، ولكنَّه لجرأته على سؤال رسول الله J كجرأة الأعراب، الذين يُعرَفون بسؤال رسول الله J عن كُلِّ شيء يخطر ببالهم، عكس ما هو عند الصحابة الذين يعرفون أنَّ النبيَّ J لا يحِبُّ كثرة السؤال، إلاَّ ما كان ضروريًّا، أو ينتظرونه حتَّى يكلِّمهم في تلك المسألة دون أن يسألوه، ولأنَّ الأعراب يأتون من مكان بعيد، فيسألونه J ويفهم تصرُّفاتهم، ويصبر عليهم، ويسير معهم على حسب عقولهم. أو لَعَلَّهُ من أطراف المدينة وقليلا ما يغشى مجالس رسول الله J . وابن عبَّاس في ذلك الوقت لا يزال صغيرا، لأنَّ الرسول J لَمَّا تُوُفِّيَ تركه ابن خمس عشرة سنة.
قال هذا الرجل: «يَارَسُولَ اللَّهِ، مَا النَّسْخُ؟ وَكَيْفَ يُنْسَخُ؟» بمعنى: كيف ينسخ القرآن وهو منتشر بين أقطار الدنيا، والناس قد كتبوه في المصاحف، وحفظوه في الصدور، فكيف يكون هذا النسخ؟! أيرفع من الصدور فيصبح الحافظ منهم بين عشية وضحاها غير حافظ؟ أم يُمحى من الكتب مَرَّة واحدة، حيث تصير المصاحف بيضاء فارغة من القرآن؟!.
حقيقة إنَّه سؤال محيِّر، لأنَّنا لا نعلم كَيفِيَّة نسخ القرآن، ولولا هذا الرجل لبقينا إلى يوم القيامة نجهل كيفيَّته، فأجابه الرسول J : « يُذْهَبُ بِأَهْلِهِ»، أي إِنَّ الناس الذين يكتبونه ويحفظونه ويعملون به هم الذين يذهبون، بمعنى أنَّهم ينتهون من الدنيا ولا خَلَف لهم، فقد طمأننا الرسول J بِأَنَّ القرآن لا يرفع من الصدور، وإنَّما يرُفع أهله، فهو ألطف وأكرم من أن يعامل عباده بذلك، وإنَّما يتوفَّى أهل القرآن واحدا واحدا، ولا أحد يخلفهم من بعدهم، كما هو حالنا اليوم، وعلى مرِّ الأَيَّام يصير العدد كبيرا، بمعدَّل ذهاب ثلاثين حافظا في السنة مثلا، فهل لنا مثل هذا العدد ـ في سنة أخرى، أو بعد عشر سنين ـ يكونون خلفًا لهم حفَّاظًا متقِنينَ،