في رحاب السنة (الجزء 1): شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب
الجزء ١ · صفحة ١١٥أضعاف مضاعفة وذلك في مدَّة عام واحد فقط، فدعوى الذين يقولون بأنَّ الصحابة لم يحفظوا القرآن كلَّه باطلة.
ثم قال J : « وَيَبْقَى رِجَالٌ كَأَنَّهُمُ الْبُغَاثُ» قال الربيع: يعني أَرْذَلَةَ الطَّيْر. فبعد ذهاب أصحاب القرآن الذين حفظوه وحافظوا عليه وعملوا وحكموا بما فيه، سيأتي أقوام يحكمون بغير ما في القرآن، ويخالفون ما فيه من الأحكام، بأحكامهم الْوَضْعِيَّة التي وضعتها عقولهم القاصرة، ويعقب هذه الحقبة قيام الساعة؛ لأنَّها من أماراتها الكبرى، والساعة أدهى وأمرُّ، ويبقى في هذه الفترة رجال كأرذلة الطير، لأنَّ الطيور أنواع مختلفة، ففيها النافع مِمَّا يصيد ويُصطاد، وفيها الضارُّ مِمَّا لا يصيد ولا يُصطاد، والصيَّادون يستعينون ببعض طيور تصطاد لهم أو تصطاد لنفسها، كالنسور والصقور والبُزاة، وهناك أنواع تُصطاد للأكل بما فيها من جودة لحم.
وأمَّا ما قصده الرسول J فلا هو من هذا ولا ذاك، وإنَّما هي مثل العصافير التي تملأ الدنيا، فلا منفعة منها غير الفساد في الغلال وكثرة الشقشقة ـ أي الكلام الكثير ـ فالناس الذين يبقون في آخر الزمان شبَّههم الرسول J بهذا النوع من الطيور، كثرةٌ من غير منفعة؛ إن لم تكن مع مَضَرَّة، فالكثير منهم يَتَكَلَّمُ ويخطب لساعات طويلة من غير ذكر لله تعالى، ولا حديث لرسول الله J ، لأنَّ كلامهم من وحي الشياطين، فإن لم يكن من وحي شياطين الجنِّ فمن وحي شياطين الإنس، والشياطين كما قال تعالى: ﴿يُوحِي بَعْضُهُمُ، إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ (الأنعام: 112)، فشقشقتهم كُلُّهَا خارجة عن القرآن وَالسُّنَّة والدين والعلم والحكمة، وهي تضليل وكذب وزور من القول. حقيقة إنَّه تشبيه رائع من الرسول J ، فلا تشبيه أبرع من هذا، فهم أناس لا ينتسبون إلى القرآن، وهم أبعد ما يكونون منه، بل ويأنفون