في رحاب السنة (الجزء 1): شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب الناصر بن محمد المرموري

في رحاب السنة (الجزء 1): شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب

الجزء ١ · صفحة ١٢٨

والآيات الْمَدَنِيَّة تَتَعَلَّقُ بالأحكام غالبا ـ وهي التي يعرفها الفقهاء والعلماء ـ وأكثر القرآن المكيِّ كان في الدعوة إلى التوحيد والإيمان بالبعث والملائكة والكتب والرسل، مع العلم أَنَّهُ لا توجد سورة في القرآن الكريم لا تدعو إلى الإيمان بالله. وأمَّا المدنيُّ ففيه الكثير من الآيات الداعية إلى الإيمان والعقيدة الصحيحة، وإنَّما تغلب عليها الأحكام الشَّرعِيَّة؛ لأنَّه حينها تكونت الأُمَّة الإِسلاَمِيَّة، ففرض الصوم والزكاة والحجُّ والجهاد والمعاملات، ونزلت آيات بني إسرائيل والمنافقين، والأمن والسلم، والميراث والزواج والطلاق، فَكُلُّ هذه الأحكام نزلت بعد الهجرة لتنير درب الأُمَّة الإِسلاَمِيَّة الجديدة.

وأمَّا عن كَيفِيَّة نزول القرآن، فهو كما ورد في الحديث الشريف، عن أبي عبيدة أنَّه بلَغَه هذا الحديث عن أحد الصحابة بسند صحيح، وهو موجود في كتب الحديث الأخرى، وأبو عبيدة بينه وبين الصحابة شخص أو حلقة واحدة؛ لأنَّه من صغار التابعين، وقد أدرك بعضا من الصحابة المسنِّين الذين عاشوا طويلا، فروى عنهم هذا الحديث، فربَّما يكون الذي أبلغه بِكَيْفِيَّة نزول القرآن أحد الصحابة، إذ قال: إنَّ الرسول J كان إذا أنزلت عليه آية، قال اجعلوها في مكان كذا، فالقرآن نزل منجَّما مجزَّأً في آيات كريمة، ما عدا بعض السور من القصار المفصَّل، أو سورة الأنعام فقيل: إنَّها أنزلت جملة واحدة بَيْد أَنَّهَا من السبع الطوال، وقد شيَّعها سبعون ألف ملك، وقيل أكثر من ذلك(1)، وقد حفظها النبيُّ J مَرَّة واحدة بقدرة الله تعالى العظيمة الصالحة لِكُلِّ شيء، والتي جعلته J قارئا باسم رَبِّهِ الأعلى، إذ لا ينسى إلاَّ بمشيئته تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَى إِلاَّ مَا شَآءَ اللَّهُ﴾ (الأعلى: 6 ـ 7).

(1) - انظر: الطبراني: المعجم الصغير، 1/ 145. القرطبي: الجامع، 10/ 346.

١٢٧ / ١٨٠