في رحاب السنة (الجزء 1): شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب الناصر بن محمد المرموري

في رحاب السنة (الجزء 1): شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب

الجزء ١ · صفحة ١٢٩

إلاَّ أنَّ أغلب السور أنزلت واكتملت بنزولها آيات مجزَّأة، فمرَّة تنزل الآيات لهذه السورة ومرَّة لأخرى وهكذا، حتَّى اختتم نزول القرآن، وكان J يقول لأصحابه: اجعلوها في مكان كذا وفي موضع كذا وكذا، فكان J كُلَّمَا أنزلت آية يوجِّه أصحابه إلى أن يجعلوها في مكان أو سورة كذا، وعلى رأس آية كذا، فيكتبونها ويحفظونها، كما قال لهم الرسول J .

وهناك مقاطع صغيرة من آيات تنزل من بيت العِزَّة إلى الأرض، ينزل بها الروح الأمين إلى الرسول الكريم، مثل قوله تعالى: ﴿غَيْرَ أُوْلِي الضَّرَرِ﴾ (النساء: 95)، فأنزلت منفردة بعدما كان يقرأ: «لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُومِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ»(1)، فليس عدم نزولها أوَّل مَرَّة نسيانا من الله تعالى حاشاه، فَإِنَّهُ ﴿لاَ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى﴾ (طه: 52)، ولكنَّها كانت موجودة في القرآن في بيت العِزَّة من أَوَّل مَرَّة، إلاَّ أنَّ الله تعالى أخَّر إنزالها لحكمة يريدها، حتَّى يتضرَّع أهل الضرر فيسمع الله تضرُّعهم فيجيبهم، كمن له ماء بارد وغيره لا يملكه، فيتركه حتَّى يحسَّ بالعطش ثُمَّ يقدِّمه له، وعندها يشعر ذلك العطشان بالارتواء والحلاوة والمنفعة من ذلك الماء الزلال، فكذلك الشأن كما أسلفنا بالنسبة

للقرآن الكريم، فقد جاء الرسولَ J أولو الضرر الذين لا يستطيعون الخروج إلى الجهاد ﴿لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً﴾ (النساء: 98)، إمَّا لعجز أو مرض أو لغيرها من الأعذار، فجاءوا يشتكون إليه أنَّ الله تعالى رفع من شأن المجاهدين كثيرا على القاعدين، ونحن لم يقعدنا إلاَّ

(1) - رواه البخاري ومسلم في صحيحهما عن البراء بن عازب - رضي الله عنه -. البخاري بلفظ: «لَمَّا نَزَلَتْ ﴿لاَ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ﴾ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ J زَيْدًا فَجَاءَ بِكَتِفٍ فَكَتَبَهَا، وَشَكَا ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ ضَرَارَتَهُ، فَنَزَلَتْ: ﴿لاَ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾». كتاب الجهاد والسير، باب قول الله تعالى: ﴿لاَ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾، رقم 2676، 3/ 1042. مسلم، كتاب الإمارة، باب سقوط فرض الجهاد عن المعذورين، رقم 1898، 3/ 1508. الطبري: جامع البيان، 5/ 230.

١٢٨ / ١٨٠