في رحاب السنة (الجزء 1): شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب الناصر بن محمد المرموري

في رحاب السنة (الجزء 1): شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب

الجزء ١ · صفحة ٢٢

فقد أعطى الله تعالى لرسوله الحكمة لِيُبَيِّنَ للناس ما نزِّل إليهم مجملا من الأحكام والفرائض في القرآن الكريم، فلا يجرؤ أحدٌ أن يقول: إنَّ السنَّة كلَّها مقدوح في صحَّتها أو رواتها، فإنَّ هؤلاء المفتونين مخطئون، لأنَّ العلماء قد برعوا وجاهدوا في سبيل تبيين الأسانيد والرواة من تعديل وتجريح، وتمييز بين من هو صادق أو مجهول أو ضعيف أو مدلِّس أو وضَّاع أو كذَّاب، فَكُلُّ حكم بيِّن غير مشتبه في هذا المجال.

ومع ذلك فإنَّ الحديث يكون عليه دائمًا ضياء البلاغة النبويَّة ونورها وإشراقتها. أَمَّا إذا كان موضوعًا فَإِنَّ ظلمة الوضع تطغى عليه لمجرَّد سماعه، لِمَا فيه من فرق بين كلام الرسول J وكلام عامَّة الناس.

وهناك ميزان آخر أدقُّ من هذا، حيث إنَّ ما سمعناه من الأحاديث نعرضها على كتاب الله تعالى، فإن وافقه فصحيح، وإن خالفه فموضوع؛ لأنَّ الرسول J أبعد من أن يخالف كلام الله المنزَّل عليه، إلاَّ ما كان تبيينًا لِمَا نُسخ من القرآن بآية أخرى، مثل آية الوَصِيَّة للوالدين والأقربين والأولاد، فقد كانت الوَصِيَّة للوالدين والأقربين لَمَّا كان الميراث غير منصوص عليه في حقِّهم، والمهاجر يرث أخاه الأنصاريَّ، والعكس بالعكس أيضًا، ففرض الله تعالى الوَصِيَّة للوالدين والأقربين والأولاد حَتَّى لا تضيع حقوقهم، ولكن لَمَّا نزل قوله تعالى: ﴿وَأُوْلُوا الاَرْحَامِ بَعْضُهُمُ، أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (الأنفال: 75)، وبعدما عاد الميراث للأقربين جاء التفصيل في قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الاُنثَيَيْنِ … ﴾ (النساء: 11) إلى آخر الآيات.

فلمَّا بيَّن لِكُلِّ ذي حقٍّ حقَّه قال الرسول J : « إنَّ الله أعطى كلَّ ذي حقٍّ حقَّه فلا وَصِيَّة لوارث»(1)، فبقيت الوَصِيَّة للأقربين غير الورثة، ورُفعت عن الورثة من الوالدين والأقربين.

(1) - رواه الترمذيُّ في سننه عن أبي أمامة الباهليِّ - رضي الله عنه -، وقال: « … وَفِي الْبَاب عَنْ عَمْرِو بْنِ خَارِجَةَ وَأَنَسٍ، و هو حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ»، كتاب الوصايا عن رسول الله، باب ما جاء لا وَصِيَّة لوارث، رقم 2120، 4/ 433، ورواه أبو داود في سننه عن أبي أمامة - رضي الله عنه -، كتاب الوصايا، باب ما جاء في الوَصِيَّة للوارث، رقم 2870، 3/ 114.

٢٢ / ١٨٠