في رحاب السنة (الجزء 1): شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب الناصر بن محمد المرموري

في رحاب السنة (الجزء 1): شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب

الجزء ١ · صفحة ٣٣

ولكنَّه حالَ بينه وبين ذلك العمل حائل، أي مانع من أداء هذا العمل الخيِّر، كأن يسجِّل اسمه في قائمة الراغبين في الحجِّ، ولكن لا تحالفه القرعة للذهاب، فمثل هذا الذي نوى الحجَّ ولم يُكتب له الذهاب، هل من المعقول أن يُحرم أجرَ النيَّة إذ لم يتمكَّن من الذهاب؟ لا؛ بل إنَّ الله تعالى يُكافئه على نيَّته حسناتٍ كثيرة وأجرًا عظيمًا، لا يعلم مقدارها إلاَّ الله، فلن يحرمه الله من الأجر أبدًا، وقد قال الرسول J في شأن الصلاة في المسجد: «إذا ثُوِّب للصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون وأتوها وعليكم السكينة والوقار، فما أدركتم فصلُّوا وما فاتكم فاقضوا، فإنَّ أحدكم في صلاة ما دام يعمد إلى صلاة»(1)، أي لا تأتوا الصلاة وأنتم تجرُون، وأتوها في أدب ووقار نحو أنفسكم ونحو المصلِّين؛ لأنَّ مثل هذا الفعل يشتِّت فكر المصلِّين، إذ يتساءلون في فزع عن سبب السعي والجري؛ فلنأتها في رزانة واعتدال في المشي، فما أدركتم من صلاتكم فصلُّوا، وما فاتكم منها فاقضوه بالاستدراك من قيام أو قعود بعد تسليم الإمام. ثم عقَّب J بعد ذلك بقوله: إِنَّ المصلِّي ما دام يقصد الصلاة فهو في صلاة، وإن أدرك الإمام وقد سلَّم من صلاته فهو شريك مع المصلِّين في أجر صلاة الجماعة، فما عليه إلاَّ أن يصلِّي صلاة فرد، ولكنَّ أجره يكون أجر جماعة بفضل النيَّة.

إنَّ كلَّ الأعمال الصالحة أصلها النيَّة الخالصة، فلنُخلِصِ النوايا لله تعالى وحده،

(1) - رواه البخاريُّ في صحيحه عن أبي هريرة - رضي الله عنه - بلفظ: «إِذَا أُقِيمَتْ الصَّلاَةُ فَلاَ تَأْتُوهَا تَسْعَوْنَ، وَأْتُوهَا تَمْشُونَ عَلَيْكُمْ السَّكِينَةُ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا» كتاب الجمعة، باب المشي إلى الجمعة، رقم 866، 1/ 308. ورواه بن حبَّان في صحيحه عن أبي هريرة - رضي الله عنه - بلفظ: « … وما فاتكم فأتمُّوا فإنَّ أحدكم في صلاة ما كان يعمد إلى الصلاة»، باب ذكر البيان بأن قوله J : وما فاتكم فاقضوا … رقم 2148، 5/ 522.

٣٣ / ١٨٠