في رحاب السنة (الجزء 1): شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب
الجزء ١ · صفحة ٣٥إلاَّ أنَّ الربيع كان ثبتًا في نقله، إذ روى الحديث كما هو عن طريق أبي عبيدة، عن جابر، عن ابن عبَّاس، بدون لفظ " إنَّما "؛ لأنَّ هذا اللفظ موجود في الحديث الذي رُوي عن عمر بن الخطَّاب - رضي الله عنه -؛ فالمعنى لا يَتَغَيَّرُ بتغيُّر الرواية بل يتقوَّى أكثر بذلك، فلم يرخِّص الربيع لنفسه أن يضيف لفظ " إنَّما " في روايته عن ابن عبَّاس، لأنَّه تبديل غير جائز، غير أنَّه عليه أن يُبَيِّنَ الروايات المختلفة فحسب.
«إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَاتِ»: أي إنَّ الأعمال تَتَعَلَّقُ بِنيَّاتها، فلا بدَّ من تقدير لهذا التعلُّق، صحَّة أو كمالا، أي إنَّما صِحَّة الأعمال أو كمالها أو فسادها متعلِّق بنياتها؛ فَكُلُّ الأعمال التي لها مقصد دينيٌّ أخرويٌّ إنَّما تَتَعَلَّقُ صحَّتها بصحَّة نياتها، هذا هو المعنى الصحيح المتبادر إلى الذهن. وهناك من قال: إنَّ كمالها هو التقدير الصحيح، لكن ما هو عندنا في المذهب أنَّ الأعمال لا تُقبل بتاتًا بدون نيات، غير أنَّ مفهوم النيَّة ليس كما هو معمول به عندنا من تحفيظ لمتن النيَّة، فما هي إلاَّ توكيد لما في القلب، لأنَّ النيَّة الحَقِيقِيَّة هي: القصد القلبي لأيِّ عمل يتقرَّب به المسلم إلى الله، من صلاة أو صيام أو صدقة أو حجٍّ، فالحاجُّ ـ مثلاً ـ لا يجب عليه ما حفظ من النيَّة للحجِّ، بأن يقول: «اللَّهُمَّ إنَّ نيتي واعتقادي أنَّني أطوف بالكعبة سبعة أشواطٍ للحجِّ أو العمرة أو النافلة»، فقصده وإرادته الحجَّ تغنيه عن كلِّ ذلك، إلاَّ أنَّه لا يُجهر فيه بالنيَّة إلاَّ عند التلبية الأولى، بأن يقول: «لبَّيك اللَّهُمَّ حجًّا»، أو «لبَّيك اللَّهُمَّ عمرة»، أو «لبَّيك اللَّهُمَّ حجًّا وعمرة»، وهي العبادة الوحيدة التي يُجهر فيها بالنيَّة.
وقد جُعلت تلك الألفاظ لإعلام المصلِّي بما ينوي من الصلاة أو سائر العبادات، أو لجمع الهمَّة لمن لا ينحصر ذهنه في أيِّ عبادة إلاَّ باستحضار النيَّة وتوكيدها باللسان.