في رحاب السنة (الجزء 1): شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب الناصر بن محمد المرموري

في رحاب السنة (الجزء 1): شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب

الجزء ١ · صفحة ٤١

نصدِّق ونومن به أنَّه الحقُّ من ربِّنا، وما ينطق عن الهوى؛ فيمكن أن يكون هذا الصوتُ صوتَ ملَك على هيئته الملَكيَّة، وقد قال الرسول J : « وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ»، ويفهم من قوله J أنَّ تلقِّي الوحي كلَّه صعب، إلاَّ أنَّ هذه أشدُّها عليه، ويصاحب هذه الشدَّة عرق شديد، وعزلة عن الناس في المخاطبة والمحاورة، إلاَّ أنَّه يشعر بما يقع من حوله.

ويدلُّ على ذلك قصَّة عمر بن الخطَّاب - رضي الله عنه - في منقلبه من صلح الحديبيَّة إلى المدينة في السنة السادسة من الهجرة، حيث كان عمر بن الخطَّاب مغتاظًا من الصلح الذي وقَّعوه، إذ خيِّل له أنَّ المسلمين قد رضوا بالدنيَّة، إلاَّ أنَّ حكم الرسول J كان صوابا؛ لأنَّه وحي من الله تعالى، إذ لو كان الأمر بيد عمر بن الخطَّاب لما كان هنالك صلح بل تكون هنالك حرب.

وفي بعض الطريق دنا عمر بن الخطَّاب من الرسول J ، فسلَّم عليه، وردَّ عليه السلام، ثم سأله عن شيء ولم يجبه، ثُمَّ كلَّمه ثانية فلم يجبه، ثمَّ كلَّمه ثالثة فلم يجبه أيضًا، فاحتار سَيِّدنَا عمر من شأنه أيَّما حيرة، فتقدَّم الركب وسار وحيدًا حائرًا وهو يقول: «ثكلتك أمُّك يا عمر، سألت رسول الله J ثلاثا، وفي كلِّ ذلك لا يجيبك، فخشيت أن ينزل فيَّ قرآن»، أي غضب عليه الرسول J من معارضته إِيَّاهُ في صلح الحديبيَّة.

فبينما هو غارق في حيرته، إذ بصارخ يصرخ: يا عمر، يا عمر أقبل! قال: فهرولت، ووجدت وجه رسول الله مشرقًا متهللاً، كأنَّه القمر في ليلة التمام، فقال الرسول J : « يا عمر لقد أنزل عليَّ آنفا سورة هي خير لي من حمر النعم»، فقرأ عليه: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن

٤١ / ١٨٠