في رحاب السنة (الجزء 1): شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب
الجزء ١ · صفحة ٤٧خمسون، وكل شيء قد كتبه الله تعالى في الأزل، حيث ألقى في قلب نبيّه J أن يكتفي بهذا التخفيف، ولو كتب الله غير هذا لألهمه إليه.
فهذه هي الحالات الثلاث لنزول الوحي، بالإضافة إلى الحالتين الأوليين، فتصير خمسَ حالات في المجموع مع التي ذكرها الشيخ السالمي في غير هذا الحديث الوارد، حيث صَحَّ بها الأثر، وجاءت في الحديث الشريف، وإنَّما الرسول J بيّن للحارث هاتين الحالتين فحسب ليفهم منها الحالات الأخرى.
فهناك شدَّة إذن في تلقِّي الوحي، إذ قال الله تعالى لنبيِّه: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً﴾ (المزَّمِّل: 5). وأمَّا رؤية النبيِّ J للملك الذي يوحي إليه فقد رآه مرَّتين على الصورة الملكيَّة التي خلقه الله عليها، حيث لو طار في السماء لغطَّى الأفق كلَّه، من مشرقه إلى مغربه، وقيل: إنَّ له ستُّمائة جناح، وقيل: ألف جناح(1)، خلقه الله تعالى على هذه القُوَّة مثلما عَبَّرَ عنه الله تعالى في قوله: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى﴾ (النجم: 5 ـ 6)، وهو وصف لجبريل - عليه السلام -، أو مثل ما هو في سورة التكوير، إذ قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُّطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ (التكوير: 19 ـ 21)، يقصد بالرسول جبريل - عليه السلام -، لأنَّه رسول الله إلى أنبيائه بالوحي الكريم، ذو القُوَّة
(1) - رواه البخاريُّ في صحيحه عن عائشة رَضِيَ اللهُ عَنهَا، كتاب تفسير القرآن، باب وقال مجاهد: ذو مرَّة، رقم4574، 4/ 1840. ورواه الترمذيُّ في سننه عن عائشة بلفظ: « … وَلكنَّهُ رَأَى جِبْرِيلَ لَمْ يَرَهُ فِي صُورَتِهِ إِلاَّ مَرَّتَيْنِ: مَرَّةً عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، وَمَرَّةً فِي جِيَادٍ لَهُ سِتُّ مِائَةِ جَنَاحٍ قَدْ سَدَّ الأُفُقَ».كتاب تفسير القرآن عن رسول الله، باب ومن سورة والنجم، رقم 3278، 5/ 394.